السيد خلاف يكتب : الدبلوماسية والبارود..حرب النفوذ بين واشنطن وطهران

الأوضاع الأمنية والإقليمية على خلفية الحرب الأمريكية على إيران تدوركقطع الشطرنج بين طهران وواشنطن ومعها تل أبيب، ودول الخليج فيها كالفيلة، لهم دور في اندلاعها ،كما إسرائيل” رغبة” و”رهبة” من خطر امتلاك طهران السلاح النووي ،ولا مخاوف من نووي إسرائيل !!
ورغم ما خلفته هذه الحرب من آثار كبيرة و ضرر بالغ على الجميع إلا أنها لم تحسم بعد ، ومازالت الدبلوماسية تصارع البارود على طاولات التفاوض،وخرائط الانتشار العسكري.
وبين واشنطن وطهران تتجسد هذه المعادلة بأوضح صورها؛ فكل جولة تفاوضية تجري تحت ظلال البارود، وكل استعراض للقوة العسكرية يحمل في طياته رسالة سياسية موجهة إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء.
ومنذ أكثر من أربعة عقود، لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف سياسي أو نزاع حول برنامج نووي، بل تحولت إلى صراع مركب على النفوذ والهيمنة وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في منطقة تمثل قلب العالم الاستراتيجي ومصدرًا رئيسيًا للطاقة والتجارة الدولية.
تكشف التجارب المتعاقبة أن واشنطن وطهران لم تتعامل مع المفاوضات باعتبارها طريقًا لإنهاء الخلافات بقدر ما اعتبره الطرفان وسيلة لإدارة الصراع والتحكم في مستوياته.
الولايات المتحدة تسعى إلى احتواء النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى قوة قادرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة، بينما تراه إيران أداة لكسر الضغوط والحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية دون التفريط في أوراق القوة التي بنتها خلال العقود الماضية.
ولهذا فإن جولات التفاوض المتكررة لم تؤدِ إلى إنهاء الأزمة، بل أسهمت في إعادة تنظيمها ضمن قواعد اشتباك جديدة، حيث يستمر التنافس بالتوازي مع استمرار الحوار.
وبالتالي يبقى البارود لغة موازية للدبلوماسية، ويدرك الطرفان أن ميزان القوة هو الذي يحدد حدود التفاوض وسقوفه.
واشنطن ما زالت تمتلك أكبر شبكة قواعد عسكرية وانتشار بحري في المنطقة، بدءًا من الخليج العربي وصولًا إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، بما يمنحها قدرة كبيرة على الردع والتأثير.
أما طهران فقد اعتمدت استراتيجية مختلفة تقوم على بناء منظومة ردع متعددة المستويات، تشمل القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء الإقليميين، بما يتيح لها التأثير في مسار الأحداث خارج حدودها الجغرافية المباشرة.
وبذلك أصبح البارود جزءًا من العملية التفاوضية نفسها، وتحولت المناورات العسكرية والتحركات البحرية ، والرسائل الأمنية إلى أدوات سياسية موازية للدبلوماسية واللقاءات الرسمية.
ويبقي الخليج في قلب المعادلة وفي مركز الصراع الأمريكي الإيراني، ليس فقط بسبب احتياطيات الطاقة الضخمة، بل لأنه يمثل عقدة جيوسياسية تتحكم في مسارات التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي.
وتجد دول الخليج نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة من جهة، والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران من جهة أخرى.
هذه الحرب لا تدور بمعزل عن إسرائيل وطموحاتها في السيطرة وفق مخطط الشرق الأوسط الجديد والتوسع الجيوسياسي ،وتنفيذ خريطتها التي عرضها نتنياهو في الأمم المتحدة ،وتفرض سيادتها على أراض عربية كما هي الحالة في لبنان وسوريا ،وماخفي بشأن دول الخليج والأردن وتركيا بعد ذلك أعظم .
كل ذلك تحت مسمى”أمنها القومي القومي ” وبصورة مباشرة تمارس ذلك ضاربة عرض الحائط بالقانون الدولي وضغوط واشنطن “الشكلية ” ،وتعتبر تنامي القدرات الإيرانية أو العربية تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، وتسعى باستمرار إلى دفع الولايات المتحدة نحو سياسات أكثر صرامة تجاه طهران، وارغام دول المنطقة على اتفاقات ابراهام،وهو ما أبلغه ترامب إلى دول الوساطة،مادفع دولة بحجم تركيا تصدر تصريحات على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان للقول بأن قيام دولة فلسطينية قد يشجع دول المنطقة على الدخول في هذه الاتفاقيات .
وتبدو الحسابات الأمريكية أكثر تعقيدًا، إذ تدرك واشنطن أن أي مواجهة شاملة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه، ويهدد مصالحها الاقتصادية والعسكرية وحلفائها في المنطقة.. لكن هل ستبقى دول الخليج في كنف الحماية الأمريكية وتبقي على قواعدها ؟ أم ستكون هناك منظومة أمنية جديدة للمنطقة لا وجود للغرب ولا أمريكا فيها ؟ والإجابة على هذا التساؤل بحاجة إلى مقال خاص.
أعتقد أن صراع الممرات والنفوذ الاقتصادي وتنافس هذه القوى للسيطرة عليها يدفع باتجاه صراع متزايد حول الممرات التجارية والطاقة ومشروعات الربط الاقتصادي الإقليمي.
وهنا تعمل واشنطن علي بناء منظومات اقتصادية وممرات استراتيجية تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا والهند، بينما تعمل إيران على تعزيز موقعها الجغرافي كممر حيوي بين آسيا والشرق الأوسط، بما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
وهنا يصبح الاقتصاد جزءًا من معركة النفوذ، ولاتقل الموانئ والممرات التجارية أهمية عن القواعد العسكرية والأساطيل البحرية، ويبقي مضيق
هرمز جبهة لا تنام في صراع هندسة النفوذ.
وعلى الرغم من أن المفاوضات تُدار في العواصم، فإن الرسائل الأكثر حساسية تُرسل عبر مياه مضيق هرمز،كونه أهم ممر بحري يعبر منه النفط والغاز للعالم، وأحد أهم مفاتيح القوة في المنطقة والعالم.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول إلى مسرح دائم للتنافس الأمريكي الإيراني، وفي كل مرة تعزز فيها الولايات المتحدة وجودها البحري في الخليج، أو تدفع بقطع عسكرية إضافية إلى المنطقة، تنظر طهران إلى هذه التحركات باعتبارها محاولة لفرض وقائع استراتيجية جديدة والضغط عليها سياسيًا وأمنيًا.
وفي المقابل، تأتي الردود الإيرانية عبر المناورات البحرية واختبارات الصواريخ وزيادة الجاهزية العسكرية وإبراز القدرة على التأثير في أمن الملاحة، في رسالة واضحة مفادها أن أمن المضيق لا يمكن فصله عن المصالح الإيرانية.
وهنا تتجسد معادلة “الدبلوماسية والبارود” بأوضح صورها؛ فبينما تستمر اللقاءات غير المباشرة ، وقنوات الوساطة والاتصالات السياسية، تواصل القطع البحرية الأمريكية والإيرانية تبادل الرسائل الميدانية فوق المياه الاستراتيجية للخليج.
ولهذا تحول مضيق هرمز إلى ما يمكن تسميته “التفاوض المسلح”، حيث لا يسعى أي طرف إلى إشعال حرب شاملة، لكنه في الوقت ذاته يرفض التخلي عن أدوات الردع والضغط.
ولذلك بات المضيق أشبه بجبهة مفتوحة لا تنام، تتقاطع فيها حسابات الطاقة والأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية، ويصبح أي تحرك فيها قادرًا على التأثير في أسعار النفط وأسواق المال وقرارات العواصم الكبرى حول العالم.
وأعتقد أن السيناريوهات المستقبلية
للمشهد الحالي تشير إلى أن الطرفين لا يرغبان في حرب شاملة، لكنهما كذلك غير مستعدين للتراجع عن أهدافهما الاستراتيجية.
وعليه تبدو المنطقة مقبلة على أحد ثلاثة مسارات رئيسية:
-الأول، استمرار سياسة الاحتواء المتبادل مع بقاء التفاوض والتصعيد المحدود في آن واحد.
-الثاني، التوصل إلى تفاهمات مرحلية تخفف التوتر دون معالجة جذور الصراع.
-أما الثالث، فهو الانزلاق إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو تطور ميداني مفاجئ، وهو السيناريو الذي تسعى جميع الأطراف إلى تجنبه،عدا نتنياهو،رغم استمرار الاستعداد له،ودفع تل أبيب باتجاهه.
وأري أن هذه الحرب لا يدور الصراع فيها بين واشنطن وطهران حول الملف النووي وحده، ولا حول العقوبات الاقتصادية فقط، بل حول سؤال استراتيجي أكبر يتعلق بمن يمتلك القدرة على صياغة قواعد النفوذ في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
ولم تأت هذه الحرب وفقا لما تردده واشنطن أو تل أبيب ، وإنما جاءت بقرار صنعه قادة عرب مع واشنطن وتل أبيب، لتدخل المنطقة في صراع عنوانه الدبلوماسية والبارود بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، لفرض وهندسة نفوذ و تغيير جيوسياسي ، وشرق أوسط جديد وفق” ترامب. ونتنياهو” يفرض توازن يعيد رسم خرائط المنطقة ، في شرق أوسط ما زال يعيش بين لغة الدبلوماسية وصوت البارود.










