مقالات الرأى

السيد خلاف يكتب : هرمز ولبنان.. من الحصار البحري إلى اختبار سقوط الهيمنة الأمريكية

لم يعد الحديث عن حصار إيران مجرد إجراء اقتصادي أو أداة ضغط تقليدية، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على هيمنتها في نظام دولي يتآكل تدريجيًا.

التصريحات التي أطلقها دونالد ترامب بشأن القدرة على “فتح” مضيق هرمز بالقوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تهديد عسكري
مباشر، بل هي تعبير عن مأزق استراتيجي أعمق؛ مأزق يدفع واشنطن إلى رفع سقف الخطاب لأنها تدرك أن أدواتها التقليدية لم تعد كافية لفرض الإرادة كما كان يحدث في السابق.

في ظاهر المشهد، تبدو الولايات المتحدة ممسكة بكامل أدوات السيطرة: حصار اقتصادي خانق، حضور عسكري كثيف، وقدرة على تعطيل طرق التجارة.
لكن هذا التفوق الظاهري يخفي هشاشة كامنة؛ مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي يمكن تأمينه بالقوة، بل أصبح نقطة اختناق عالمية، وأي محاولة لفرض السيطرة عليه عسكريًا قد تتحول إلى شرارة أزمة طاقة كبرى.
هنا تكمن المفارقة القاتلة: واشنطن تهدد بحماية تدفق النفط، لكنها عمليًا تقترب من تفجير المنظومة التي يقوم عليها هذا التدفق.

في المقابل، جاء الرد الإيراني الأخير-عبر دوائر مرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني-ليضع سقفًا جديدًا للاشتباك.
الحديث عن أن “القدرات الحقيقية لم تُستخدم بعد” من طرف إيران ليس مجرد تهديد بلاغي، بل رسالة ردع محسوبة تعني أن طهران لا تزال تحتفظ بأوراق تصعيد نوعي، وأن ما جرى حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من قدرتها.
هذه الرسالة تتكامل مع تهديد ضمني أكثر خطورة: أن أي حصار بحري يمكن أن يرتد على أصحابه، عبر تحويل مضيق هرمز إلى ساحة استنزاف مفتوحة، لا ممرًا آمنًا.

ورغم هذا التصعيد، تتحرك إيران بمنطق أكثر تعقيدًا مما يبدو؛ فهي لا تذهب إلى المواجهة الشاملة، بل تدير صراعًا طويل النفس عبر مزيج دقيق من التهديد والتفاوض.

عودتها إلى طاولة التفاوض في ظل الحصار لا تعكس تراجعًا، بل تعكس رغبة في إدارة التوقيت والضغط، وشراء المساحة اللازمة دون التفريط في أوراق القوة.

إيران تفاوض من موقع من يعرف أن خصمه لا يستطيع تحمّل تكلفة الانفجار الكامل، وتلوّح في الوقت ذاته بقدرتها على دفع الأمور نحو هذا الانفجار إذا فُرض عليها.

غير أن هذا الاشتباك لا يجري في فراغ، بل يتقاطع مع عامل دولي بالغ الأهمية يتمثل في الصين، التي تراقب المشهد بوصفها المتضرر الأكبر من أي اضطراب في إمدادات الطاقة عبر الخليج.
بكين لا تنخرط عسكريًا، لكنها تدفع بثقلها الاقتصادي والتقني لمنع خنق إيران بالكامل، ليس دفاعًا عنها بقدر ما هو دفاع عن مصالحها الحيوية.

ومن هنا يتحول الحصار الأمريكي من أداة ضغط ثنائية إلى نقطة احتكاك غير مباشر بين واشنطن وبكين، حيث يصبح مضيق هرمز ليس فقط ساحة صراع إقليمي، بل عقدة في صراع دولي أوسع على النفوذ.

وعلى المستوى الإقليمي، تتجلى ملامح هذه الاستراتيجية في ما يحدث بين إسرائيل ولبنان، فالتصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل، بالتوازي مع الحديث عن ترتيبات سياسية أو مسارات سلام، يكشف عن محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بإيران.
والهدف هنا ليس فقط إضعاف لبنان عسكريًا، بل فصله تدريجيًا عن المسار الإيراني، أو على الأقل تحييده كجبهة ضغط، إنها معادلة واضحة: ضرب ميداني يسبق تفاوضًا سياسيًا، لتثبيت واقع جديد يُنتزع بالقوة ثم يُشرعن على الطاولة.

هكذا تتقاطع الخيوط: تهديدات ترامب بفتح هرمز، ورد إيراني يلوّح بقدرات غير مستخدمة، ودعم صيني غير مباشر يكسر احتكار الضغط، ومحاولة إسرائيلية لإعادة هندسة المشهد اللبناني.

إنها ليست أحداثًا متفرقة، بل ملامح استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة ضبط ميزان القوى في المنطقة عبر خنق إيران وعزلها، ودفعها في النهاية إلى القبول بشروط جديدة.

غير أن هذه الاستراتيجية تقوم على افتراض شديد الخطورة: أن إيران ستستجيب للضغط دون أن تلجأ إلى كسر قواعد الاشتباك،وهنا يكمن جوهر المأزق.
فإذا قررت طهران الذهاب إلى أقصى مدى في استخدام أوراقها-سواء عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو توسيع نطاق المواجهة عبر ساحات إقليمية كلبنان-فإن الحصار الأمريكي قد يتحول من أداة احتواء إلى عامل تفجير شامل.
و في هذه اللحظة، لن تكون الخسارة أمريكية فقط، بل قد تمتد لتطال بنية النظام الدولي ذاته، الذي يعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتوازنات الكبرى.

في النهاية، لا يبدو أن إيران تسعى إلى حسم الصراع بقدر ما تسعى إلى استنزاف خصمها وكسر هيبته تدريجيًا، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستمرار في التصعيد مع مخاطر الانفجار، أو التراجع بما يحمله ذلك من تآكل في صورة القوة.

وبين هذا وذاك، يقف العالم على حافة مرحلة جديدة، قد لا تكون فيها الهيمنة الأمريكية قد سقطت بعد، لكنها بالتأكيد لم تعد مطلقة كما كانت.

زر الذهاب إلى الأعلى