مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب : انتخابات المجالس المحلية: صوت المواطن المفقود

منذ آخر انتخابات للمجالس المحلية عام 2008، والشوارع والنجوع والأحياء في مصر تحمل صورة الفراغ… فراغ في الخدمات، وفراغ في الرقابة، وفراغ في صوت المواطن البسيط الذي لم يعد يجد من ينقل معاناته إلى من يقرر. كل يوم نعيش الواقع الصعب: حركة عشوائية، طرق متهالكة مليئة بالحفر، الباعة الجائلون الذين يملأون الأرصفة، التوكتوك أصبح مركبة شيطانية تحرق المجتمع ، والانترنت صار حلمًا بعيدًا عن بعض المناطق، والاسعار اصبحت لا حاكم لها، هذه التفاصيل اليومية الصغيرة تتحول إلى أزمات كبيرة، والشعب يغلي صمتًا لأنه لا يجد من يسمعه أو يشرح له سبب التأخير، بل يترك وحيدًا أمام الواقع.

المشكلة ليست فقط فشل مسؤول هنا أو هناك، بل غياب العلاقة العضوية بين المواطن والدولة. الفجوة المعرفية كبيرة، والمواطن المنعزل يسقط بسهولة في شباك المعلومات المغلوطة، ويبدأ بتكوين صورة مشوشة عن الدولة وقيادتها، ليس عن قصد، بل لأن حلقة الوصل الحقيقية كانت دائمًا عضو المجلس المحلي. هذا العضو كان يمثل المواطن في قلب الشارع، يعرف تفاصيل النجع والحارة، ينقل صوت المواطن الغلبان، المهمش، والضعيف إلى مراكز القرار، ويشرح له قرارات الدولة بلغة يفهمها. غيابه خلق فراغًا كبيرًا لم يتمكن أي مسؤول تنفيذي من سدّه، حتى لو كان محافظًا أو رئيس مركز أو رئيس حي.

الواقع أن هؤلاء المسؤولين غالبًا موظفون من سلم بيروقراطي، محدودو الصلاحيات، يعملون لفترة محددة وينتقلون من موقع إلى آخر، دون أدوات حقيقية أو ميزانية كافية لإحداث تغيير ملموس على الأرض. ولذلك، فإن الحل لا يكمن في استبدال الأشخاص، بل في إعادة هيكلة إدارة التنمية المحلية بالكامل وفق رؤية واستراتيجية عمل تعتمد على خبرات متخصصة ومحترفة، تحت إدارة الدولة، لضمان التخطيط المستدام والتنفيذ الفعلي والرقابة المستمرة.

المجالس المحلية لم تكن مجرد هيئة تنفيذية أو رقابية، بل معمل سياسي واجتماعي وثقافي يصنع القيادات الحقيقية، ويخرج النواب القادمين من قلب الشارع، يعرفون مشاكل الناس عن قرب، يمتلكون الكاريزما، القدرة على التواصل، وحل المشكلات العملية. غياب هذا المعمل هو السبب وراء ضعف بعض النواب اليوم، الذين ابتعدوا عن الواقع، ويفتقدون أدوات حقيقية، ولا يصل صوتهم إلى المواطن.
القانون الذي ينظم الانتخابات المحلية قدم لمجلس النواب منذ سنوات طويلة، وكان من المفترض أن يعيد تشكيل المنظومة: تحديد الاختصاصات، توزيع الصلاحيات، نسبة تمثيل الشباب والمرأة، وضمان الرقابة والمساءلة. لكن التأجيل المستمر لأسباب معقدة مثل تعقيد ملف اللامركزية، حجم المجالس، التخوف من تكرار الممارسات القديمة، والانشغال بملفات أكثر إلحاحًا، أوقف كل شيء، تاركًا المواطن في حالة فراغ وغضب.

لنجعل الانتخابات المحلية خطوة حقيقية نحو التغيير، يجب أن تتم بطريقة علمية وعملية: تقسيم انتخابي عادل يعتمد على الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي، نظام مختلط بين الفردي والقائمة لتحقيق توازن بين الكفاءة الفردية والعمل الجماعي، برامج تأهيلية للمرشحين قبل الترشيح، رقمنة جزئية للعملية الانتخابية للحد من الأخطاء والتلاعب، تمكين الشباب والمرأة كقوة مشاركة فعلية، ورقابة صارمة بعد الانتخابات لضمان استمرارية الأداء والفعالية.

الشارع المصري اليوم لا يطلب المستحيل. يريد فقط من يسمعه، من يفهمه، ومن ينقل صوته بصدق. يريد أن يشعر أن الدولة ليست بعيدة عنه، بل حاضرة في تفاصيل حياته اليومية. المجالس المحلية هي الطريق الأقرب لتحقيق ذلك، وهي المعمل الذي يُنتج قيادات حقيقية من قلب المجتمع. الإسراع في إقرار القانون وإجراء الانتخابات لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة وطنية لإنقاذ العلاقة بين المواطن والدولة، وإعادة الثقة، وإحياء صوت الشارع الذي طالما كان قلب مصر النابض.

زر الذهاب إلى الأعلى