مقالات الرأى

محمد محمود عيسى يكتب : صناعة التفاهة

0:00

ما حدث خلال الأيام الماضية من أحداث مؤسفة وحزينة في فرح أحد التيكتوكر وتسابقت لتغطيته الكثير من وسائل الإعلام والمواقع الصحفية كان باختصار شديد عبارة عن مرحلة مهمة من مراحل صناعة التفاهة وتصديرها إلى المجتمع وهنا لابد من أن نسأل سؤالا مهما هل التفاهة صناعة لها نفس قواعد وأسس الصناعة العادية من دراسات الجدوى والتسويق والدعاية والإعلان والاستعانة بكبار الخبراء في المجال ورصد ميزانيات ضخمة للمنتجات ووضع أموال كبيرة للتسويق واقتحام الأسواق وتحقيق المبيعات والمكاسب الضخمة نعم كل ما سبق يتوافق تماما مع صناعة التفاهة حتى مع تعدد وتنوع المنتجات والمصنوعات كذلك في صناعة التفاهة هناك تنوع وتعدد كبير في منتجات ومخرجات التفاهة فقد تجد مجالات كثيرة ومتعددة مليئة بمنتجات مصانع التفاهة وللأسف الشديد هناك من يتطوع من تلقاء نفسه لكي ينضم إلى كتائب التفاهة تماشيا مع الجو العام أو بحثا عن مكاسب مالية سريعة أو ظنا منه أنه يؤدي خدمة لأطراف ما يتخيلها في نفسه ويتصور أنهم سيمدحون ويشكرون إجادته ومهارته في التفاهة ولكن الفرق بين الصناعة العادية وصناعة التفاهة أن الصناعة العادية تنتج صناعات ومنتجات مادية ملموسة تتفق أو تختلف عليها تتوائم أو تتفق معك تقبلها أو ترفضها ولكن صناعة التفاهة صناعة معنوية صناعة تهتم بهدم الإنسان من الداخل وتحول الإنسان إلى وعاء فارغ لا قيمة ولا وجود له صناعة التفاهة بكل تفاصيلها ومدخلاتها تسعى إلى تجريف الإنسان من كل معاني وقيم الحياة وتوجد فارقا مهما وتصنع مسافات بعيدة بين الإنسان وبين قيم الإنسانية ومعاني الحياة وتميت بداخل الإنسان كل عوامل الارتباط والانتماء بين الإنسان وبين وطنه وأسرته ومجتمعه ودينه وقيمه وأخلاقه وأهدافه في الحياة . صناعة التفاهة تحول الإنسان من كيان له قيمة وأثر ووجود إلى مجرد رقم أصم أجوف فاقد لكل معاني الوجود والتغيير والتأثير ولا يهم في صناعة التفاهة أن يكون هذا الرقم في عداد الأحياء أو عداد الأموات لذلك كانت صناعة التفاهة هي صناعة بلا قلب صناعة بلا ضمير صناعة بلا حياة صناعة بلا أي قيمة إيجابية في الحياة لذلك وحينما تتأمل القائمين والرعاة لصناعة التفاهة تجدهم ينشطون ويعملون بأقصى طاقاتهم في البيئات الحضارية العريقة وينشطون في المجتمعات المتماسكة القوية الراسخة ويستغلون الظروف المادية والاقتصادية للمجتمع لكي يوظفوا هذه الظروف الاقتصادية في مصلحة تنفيذ صناعاتهم وتسويق منتجاتهم بل والأشد لدى صناعة التفاهة أن الرعاة والقائمين على الصناعة قد يكونوا من أهم صناع الأزمة الاقتصادية لأن في مخطاتهم وأهدافهم أن البيئة الاقتصادية الفقيرة والخانقة هي البيئة المناسبة والخصبة لتسويق ونجاح كل منتجات التفاهة بل والسعي دائما إلى التوسع في تقديم منتجات أخرى جديدة تعمل على تفكيك كل روابط المجتمع وخلخلة كل الثوابت التي يتمسك بها كل من يحاول أن يبقى في مكانه مدافعا عن قيمة أو وطن أو خلق أو حتى ولو منتميا إلى الحياة بشكل عامِ 

صناعة التفاهة من أهم مخططات حروب الجيل الخامس والسادس وهي الحروب التي تعني بتفكيك وهدم المجتمعات من الداخل وتحويل أفرادها إلى كيانات هلامية فارغة من كل شيء بل وتحويل أفراد المجتمع إلى أعباء ثقيلة ومهينة وهادمة لأنفسهم وللمجتمعات التي ينتمون إليها ويعيشون فيها لذلك سمعنا خلال الشهور الماضية عن مجموعة من الجرائم والحوادث الدخيلة على المجتمع المصري وسمعنا عن مجموعة من السلوكيات المشينة التي تهدد أمن وسلامة المجتمع والفرد والأسرة وماكان لكل هذه الحوادث أن تحدث وهذه السلوكيات أن تنتشر وبهذا الشكل الفاجر إلا إذا كانت ورائها صناعة مهمة وثقيلة وممولة ومخططة بدقة وعناية وهي صناعة التفاهة

ولكن على الجانب الآخر هناك محاولات ضخمة وجهود مضنية تبذلها الدولة والأجهزة المختصة في مكافحة ومجابهة صناعة التفاهة والحد من انتشارها في المجتمع وما يشجع على ذلك أن المجتمع المصري في عمومه ما زال بخير وأن فطرته ما زالت نقية وسليمة بدليل تلقفه لأي محاولة بناء وإيجابية في مجال العلم والدين والوطن والإنسانية وقيم ومعاني الحياة وكانت تجربة برنامج ” دولة التلاوة ” خير مثال على نقاء وصفاء المجتمع وأن مناعته ما زالت بخير وهو ما يشجع على اقتحام مجالات الفنون والعلوم والأدب والثقافة بتجارب مماثلة ولكن هذه التجارب الفردية كبرنامج واحد فقط أو مجموعة متناثرة من الكتاب والإعلاميين هنا وهناك ليست كافية وليست بالقدر الكافي لمجابهة ومواجهة هجوم تتار صناع وصناعة التفاهة فمقابل هذه الصناعة القبيحة والبغيضة لابد أن يكون هناك مشروع قومي موحد بعيدا عن اللجان والتوصيات يشمل كل أنحاء المجتمع ويختص بالوعي والمواطنة والسلوكيات الراقية والقيم الوطنية الراسخة ومعاني الأديان الإنسانية الراقية وحوكمة كل وسائل الإعلام وتطوير التعليم وتوظيف كل وزارات ومؤسسات الدولة لخدمة مشروع واحد متكامل يهدف إلى الارتقاء بالإنسان المصري مشروع تتكامل فيه كل مؤسسات ووزارات وهيئات الدولة وخاصة المؤسسات الدينية والتي تعني بكل صراحة ووضوح وسعي صادق وواضح لإصلاح هذه المؤسسات من الداخل وهيكلتها وتوجيهها لخدمة ورقي وتهذيب الإنسان وحل مشكلاته الحقيقية بعيدا عن النفوذ والصراعات ومواطن الضعف والقوة وتقديم خطابها الديني بما يوائم روح العصر الحديث ويتوائم مع ثقافة الشباب المتجددة والمتدفقة والمرتبطة بعصر الذكاء الاصطناعي

نستطيع وبكل قوة أن نواجه صناعة التفاهة بل ونستطيع أن نوقف هذه الصناعات ونحد من انتشارها بل وننتصر عليها ولكن يجب أن يكون لدينا ذلك المشروع الوطني المتكامل لبناء الإنسان المصري بعيدا عن اللجان والتوصيات وجلسات الحوار الوطني مشروع وطني ينطلق اليوم بل وينطلق الآن فمصر والإنسان المصري يستحق ذلك المشروع وهو ما ننتظر إنطلاقه خلال الأيام والشهور القادمة

زر الذهاب إلى الأعلى