حازم البهواشي يكتب: إنها امرأةٌ مُطلقة!!

كلمةُ (الطلاق) في اللغة تعني حَلَّ الوَثاق، وفي الشرع حَلُّ رابطةِ الزواج وإنهاءُ العلاقة الزوجية، فهل الطلاق سُبَّةٌ أو نقيصة؟! وهل المطلقة _ كما وصفها أحد أباطرة المال والأعمال مؤخرًا _ (عربية مستعملة ورخيصة)؟!
إن النبيَّ _ صلى الله عليه وسلم _ تزوجَ المطلقةَ والأرملةَ والبِكْرَ ومَن تصغرُه ومَن تَكبُره سِنًّا، وهذه رسالةٌ واضحةٌ أن المرأةَ العفيفة لا يَعيبها شيء!! وذكرَ أصحابُ السِّيَر أن الصحابيةَ “عاتكة بنت زيد”، أختَ “سعيد بن زيد” أحدِ العشرة المبشرين بالجنة، تزوجت بـ “عبد الله بن أبي بكر الصديق”، وبقيت عنده حتى أصابه سهمٌ في حصار الطائف مات في أثره في المدينة، ثم تزوجها “زيد بن الخطاب” وبقيت معه حتى استُشهد في اليمامة، ثم تزوجها “عمر بن الخطاب”، وبقيت معه حتى استُشهد، وحضرت هذه اللحظةَ في المسجد؛ إذ كانت تذهب للصلاة في المسجد، ثم تزوجها “الزبير بن العوام”، وبقيت عنده حتى استُشهد _ رضي الله عنهم أجمعين _!!
وإذا اقتربتَ من سيرة السيدة “عاتكة” لعلمتَ بدايةً أن اسمَها يعني المرأةَ الجميلة الصافية، المُحمرَّة من الطِّيب، وقد كانت شاعرةً عذبةَ الشِّعر، لطيفةً، حسنةَ الخُلُق، راجحةَ العقل، واسعةَ المدارك، محبوبةً بين الناس.
تأمل معي: لم يقل أحدٌ عن “عاتكة” _ رغم وفاة أزواجها واحدًا تلو الآخر _ إنها شؤم، ولم ينظر الصحابةُ الكرامُ لها بعين النقص أو التقليل، ويبدو أن المجتمع كان سَوِيًّا، وأن عصرَ الرسالة كان يعرف الحريةَ الحقيقيةَ للمرأة، فلم تكن أبدًا سِلعة، وكانت حريتُها حريةَ إرادةٍ وفكرٍ واختيار، لا حريةَ عُرْيٍ واستغلال!! لم يَدينوا من تزوجتْ بعد طلاقِها أو ترمُّلِها ولم يَصِفوها بخيانة!!
إذًا: المطلقةُ ليست رخيصةً إلا إذا رخَّصتْ نفسَها بسلوكٍ مُشين، وهذا يَسْري على الجميع لا عليها وحدها!! ومما يُرْوَى عن بعض الصالحين _ ومِثلُ هؤلاء همُ الرجالُ بحق _ هذه الحكاية المشهورة: أنه أراد طلاقَ امرأته، فقيل له: ما الذي يَريبُك فيها، فقال: العاقلُ لا يَهتك سَترَ امرأتِه!! فلما طلقها، قيل له: لمَ طلقتها؟! فقال ما لي ولامرأة غيري!!
وهذه الصحابية “أسماءُ بنتُ عُمَيس” صاحبة الهجرتين (الحبشة والمدينة) تزوَّجتْ “جعفرَ بنَ أبي طالب”، وهاجرتْ معه إلى الحبشة، ولما استُشهد تزوَّجت “أبا بكر الصديق”، ولما لقي ربَّه تزوجت “عليَّ بنَ أبي طالب”، ولقد كانت مثالًا للزوجة الوفية المخلصة؛ فقد قاستْ معاناةَ الهجرةِ والغربة مع زوجِها جعفر؛ وأيَّدته وآزرَتْهُ، ثم لمَّا تزوَّجها الصدِّيق وقفتْ إلى جواره تَشُدُّ من أزْرِه وتُساندُه في حربِه ضد المرتدين، كما وقفتْ إلى جوارِ زوجها “علي بن أبي طالب” في مواجهتِه المِحَن.
حضرت “أسماءُ بنتُ عُمَيس” الحروبَ وروتِ الحديثَ عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم.
قال “ابنُ حزم الأندلسي” (384هـ _ 456 هـ)في كتابه: (أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد): (لها ستون حديثًا عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _، وعدَّها رقم (56) في ترتيب الصحابة من حيث الرواية، كما شهِدتْ البيعاتِ المختلفة لخلفاء رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _، وكانت تقوم بغَسْل الموتى من النساء، ومِمَّن غسلتهن: فاطِمَة بنت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وكانت أولَ من أشار بنعش المرأة؛ فعن “عبدالله بن بُريدة” قال: “لبِثتْ فاطمةُ بعد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ سبعين بين يوم وليلة، فقالت: إني لأستحيي من خلل هذا النعش إذا حُمِلْتُ فيه، فقالتْ لها “أسماءُ بنت عُميس”: إن شئتِ عمِلتُ لك شيئًا يُعمَل بالحبشة، ويُحمَل فيه النساء، قالت: أجَل فاصنعيه، فصنعتْ النعش، فلما رأته، قالت: ستركِ الله،قال: فما زالت النعوش تُصنَع بعدها. ولما مات “أبو بكر” غسَّلَتْه زوجُه أسماءُ بنت عُميس بوصيةٍ منه، ومن هنا جاء جوازُ غسل المرأة زوجَها.
يقول كتابُ الأصول: (عيوبُ الناسِ تُطْوَى ولا تُرْوَى).









