مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب : سقطات لسان

0:00

قال السلف في قديم الزمان ، العاقل لسانه وراء عقله ، والأحمق عقله وراء لسانه ، ولا ننسى هنا واقعة الإمام أبي حنيفة ، حيث كان العالم الجليل يجلس مع تلامذته في المسجد ، وكان يمد رجليه – بعد استئذان طلابه -بسبب آلام مزمنة في الركب ، وبينما هو يعطي الدرس، جاء إلى المجلس رجل عليه أمارات الوقار والحشمة ، فجلس بين تلامذة الإمام. فما كان من أبي حنيفة إلّا أن طوى رجليه إلى الخلف احترامًا للشيخ ، فقال الضيف لأبي حنيفة من دون سابق استئذان: «يا أبا حنيفة إني سائلك فأجبني». فشعر أبو حنيفة أنه أمام ذي علم واسع واطلاع عظيم فقال له: «تفضل واسأل».
فقال الرجل: «أجبني إن كنت عالماً يُتَّكل عليه في الفتوى، متى يفطر الصائم؟». ظنّ أبو حنيفة أن السؤال فيه مكيدة لا يدركها علمه. فأجابه على حذر: <يفطر إذا غربت الشمس>، فقال الرجل ووجهه ينطق بالجدِّ ، وكأنه وجد على أبي حنيفة حجة بالغة : «وإذا لم تغرب شمس ذلك اليوم يا أبا حنيفة فمتى يفطر الصائم؟!» ، هنا قال أبو حنيفة قولته المشهورة التي صارت مثلًا : «آنَ لأبي حنيفة أن يمد رجليه».

أما الإمام الشافعي كان الأوفر حظاً بين أقرانه في التأذي من الحماقات والسفهاء ، فهو من قال :

قالوا سكتَّ وقد خوصِمْتَ ، قلتُ لهم
إن الجوابَ لبابِ الشرِّ مفتاحُ
والصمتُ عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ
وفيهِ أيضًا لصونِ العِرضِ إصلاحُ

كما أنشد قائلًا :

إذا نطقَ السفيهُ فلا تُجِبْهُ
فخيرٌ من إجابتِهِ السكوتُ
فإن كلَّمْتَهُ فرَّجْتَ عنــْهُ
وإن خلَّيْتَهُ كمدًا يموتُ !
رحم الله إمامنا الشافعي قاصف جباه السفهاء وحامل لواء البلاغة وجامع حسن المنطق من أطرافه .
ما فات يكشف لنا دون مواربة ، أن الكلام يجب أن يوزن بميزان من ذهب خاصة في حضرة العلماء ، وحضرة الشديد من الأزمات ، ومؤخرا في حضرة السوشيال ميديا ، فما خرج من الصعب رده ، ولعل ما ذكرني بهذه العظة ما قرأته من أيام عن تصريح لأحد الكتاب المشاهير في عالم الرواية والكتابة الدرامية عندما قارن بين مدى الصعوبة التي واجهها في الكتابة عن شخصية أم كلثوم وسيرة أحد الرسل ، وما تبع ذلك من موجة عنيفة وعاصفة مدوية وجهت سهام نقدها لتصريح الكاتب ، لتؤكد لنا كيف قد تودي سقطة لسان بصاحبها إلى مقاعد الجهل والحماقة .

وليس ببعيد زلات لسان المطربة الشهيرة التي أفقدتها حب واحترام الكثير من جمهورها في مصر الدول العربية ،والتي رسخت في عقولنا فرضية مهمة ، وهي كيف يمكن للإنسان أن يكون عدوًا لنفسه . الكلام الموزون سلعة غلا ثمنها وسط ما نعاينه كل يوم من حماقاتِ وجهالاتِ أُناسٍ يعتبرهم بعض الشباب مثالًا يرنو إليه .

وعندما قال السلف : تكلم حتى أراك ، كانوا مدركين جُل الإدراك ما يكشفه اللسان من خبايا النفوس ونباهة العقول وحكمتها من عدمه ، لذا لا تتهاونوا في تربية أبنائكم على حسن المنطق والإيجاز ، وما يقال وما يجب ألا يقال ، وتقييم المكان والزمان والشخوص قبل إطلاق حصان لسانه ، هذه مسئولية تقع على كاهلكم ، ومهمة لا تقبل التأجيل ، واعلموا -وأنا معكم – أن الكلمة قد تعلوا بصاحبها لأعلى مراتب الشرف ، أو تورده أحلك ظلمات الهلاك .

زر الذهاب إلى الأعلى