السيد خلاف يكتب : رطل لحم للبيع

هل تحولت القواعد العسكرية الأميركية في الدول العربية إلى احتلال في صورة التعاون العسكري .. أم أنها قواعد لتأمين مخطط نتنياهو وترامب في استتباب الأمن حتى تنفيذ بيع “لحوم العرب” في مزاد اقتصادي كبير، يستدعي الانتداب البريطاني فوق تراب فلسطين من جديد ونهب ثرواتها ؟
المزاد الجديد هو لبيع الحق العربي، وتقسيمه إلى أرطال من اللحم ، وبعد تصفيته تحصل كل دولة مشاركة على حصتها ، وتمكين توني بلير حاكما على غزة، كما تولي بول بريمر الحكم علي العراق، بعد إسقاط نظام الحكم فيها ، كانت القواعد العسكرية الأميركية في الدول العربية هي مركز انطلاق عملياتها لإسقاط الدول العربية وأنظمة الحكم فيها بادعاءات كاذبة !!
في الشرق الأوسط، لا تموت الأفكار، بل تُعاد صياغتها بأدوات جديدة ووجوه قديمة، واليوم يعود اسم توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، ليُطرح باعتباره “الحاكم الدولي” المقترح لقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
قد تبدو الفكرة غريبة، لكنها تحمل بين طياتها إرثًا استعماريا طويلًا، فكما دخل الجنرال اللنبي القدس عام 1917 قائلاً “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، يُراد لبلير أن يدخل غزة بربطة عنق أنيقة، ليعيد إنتاج الانتداب البريطاني ولكن بغطاء أمريكي -إسرائيلي وتمويل عربي.
المعلومات التي تسربت من هآرتس الإسرائيلية ومن مصادر دبلوماسية غربية تشير إلى أن إدارة ترامب أعادت إحياء فكرة “الإدارة الدولية لغزة” ، وقد وضعوا بنودها
على طاولة جاريد كوشنر ورفاقه تتضمن:
تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة توني بلير، ونشر قوات دولية على الحدود لمنع حماس من إعادة بناء قوتها، وإطلاق عملية إعمار ممولة عربيًا لتغطية المشروع سياسيًا، وتأجيل أي دور للسلطة إلى أجل غير مسمى ، ربما بعد “سنوات” كما تقول الوثائق.
وهي نسخة محدثة من تجربة بول بريمر في العراق بعد 2003، مع فارق أن غزة أصغر حجمًا لكنها أشد حساسية من الناحية السياسية والرمزية ، واللافت أنها لم تبقَ في حدود البيت الأبيض وتل أبيب، بل مشاورات واسعة مع عواصم عربية، ما يثير تساؤلات خطيرة عن حجم التورط الإقليمي في إعادة إنتاج وصاية جديدة على فلسطين.
كان نتنياهو أول من طرح رفضه القاطع لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة ،وعرضت تل أبيب الفكرة على واشنطن: “نريد إدارة غربية، قوية، لا تخضع لضغوط الداخل الفلسطيني”، بلير كان الاختيار الأمثل فهو صديق إسرائيل القديم، ولا يمانع في “التعاون الأمني” العلني ، ووافقت لندن ضمنيًا على إعادة بلير إلى المشهد، واعتبرت أن دوره سيمنح بريطانيا نفوذًا في المنطقة بعد تراجعها في مرحلة ما بعد “بريكاست” ولم تتردد
قطر في حرصها على التمويل مقابل النفوذ ، مستندة إلى أنها ضخت مليارات في غزة خلال السنوات الماضية، وعرضت تمويلًا جديدًا لإعادة الإعمار.
الشرط القطري كان واضحًا في تمسكها ب ” مقعد لها على الطاولة”عبر لجنة متابعة إلى جانب بلير، ودعمت أبوظبي الفكرة بهدوء ،وأبدت استعداد شركات كبرى لإدارة الموانئ والمعابر والمشروعات الاستثمارية في القطاع، وانطلق الموقف الإماراتي من رؤيتها لتقويض حماس، وتعزيز مسار التطبيع مع إسرائيل ،أما السعودية فإن موقفها جاء في شكل “التحفظ الصامت” ولم تُبد حماسة للخطة، لكنها لم ترفضها علنًا ، في الوقت الذي وصفها
دبلوماسي سعودي بـ”التفخيخ السياسي”، لأنها قد تدفن نهائيًا مشروع الدولة الفلسطينية.
أما مصر فلم تنخرط في مناقشة الخطة ،وحذرت بوضوح من مخاطر تداعياتها على المنطقة والقضية الفلسطينية،ورفضت أي شكل من أشكال الوصاية الدولية، وحذرت من أن الخطة “تفتح الباب لمشروع الوطن البديل في سيناء”، وهو خط أحمر استراتيجي ، وأصرت على أن الحل يجب أن يكون فلسطينيًا خالصًا عبر السلطة الشرعية.
لكن ، لماذا توني بلير؟ لأنه لم يكن يومًا وسيطًا نزيهًا، بل كان أقرب إلى وكيل غربي لإسرائيل، وشارك مع بوش الإبن في غزو العراق عام 2003 ، وعمل مبعوثًا للرباعية الدولية، وانحاز دومًا لإسرائيل، واختاره كوشنر صهر ترامب كونه يتمتع بعلاقات وثيقة مع النخب الخليجية، فهو بكل بساطة هو “الوكيل المضمون” لإدارة غزة، ورجل لا يحمل أي مصداقية لدى الشارع الفلسطيني، ويحظى بثقة تل أبيب وواشنطن.
إذا الخطة هنا تصفية للقضية الفلسطينية ،وتقاسم ثرواتها بعد تصفية الشعب، وتقاسم ما تبقى أرطال بين دعاة السلام الابراهيمي وخزائن المال ، برعاية الانتداب البريطاني بملامح شكلها قوات دولية بديلة عن الاحتلال المباشر ، وإدارة بريطانية بغطاء أمريكي ومال عربي، إنها إذن “احتلال بالوكالة”، تديره مؤسسات دولية و مبعوثين غربيين، وفي الجوهر إعادة إنتاج للسيطرة الاستعمارية التي عرفتها المنطقة منذ قرن.
وكما كتب شكسبير في تاجر البندقية عن المرابي شيلوك الذي طلب “رطلًا من اللحم”، يطل علينا شيلوك من جديد في غزة، يريدون اقتطاع القطاع من الجسد الفلسطيني، بدعوى “السلام والإعمار”، وهم في الحقيقة يريدون ثرواتها وشعبها أرطال من الثروة الدسمة، و”بلير” ليس سوى شيلوك القرن الحادي والعشرين يطلب حصته من أرض فلسطين، مدعومًا بغطاء أمريكي وإسرائيلي وتمويل عربي.
واذكر هنا من الوثائق وكواليس الاجتماعات السرية ما يلي :
-واشنطن – ديسمبر 2024:
بلير التقى كوشنر وفريق ترامب، بلير قال نصًا: “لن أكون مجرد وسيط.. بل أقود المرحلة الانتقالية”
-لندن – يناير 2025:
مباحثات مع دبلوماسيين قطريين وإماراتيين .
قطر تعهدت بتمويل 3 مليارات دولار.
الإمارات طالبت بدور في إدارة الموانئ والمعابر.
اتصال نتنياهو – ترامب:
نتنياهو أكد: “لا دور للسلطة الفلسطينية.. بلير مقبول.”
الخارجية المصرية حذرت: “الخطة تمهّد لربط غزة بمشروع الوطن البديل في سيناء.”
هل يقبل العرب أن يُعاد الانتداب البريطاني بعد مئة عام، هذه المرة بيد توني بلير؟ وهل تتحول أموال الإعمار إلى غطاء لمشروع سياسي يكرّس الاحتلال،وأين يقف العرب من الحق الفلسطيني ؟ هل يُفرض عليهم “بريمر جديد” يقود غزة نحو عزلة أبدية؟ أم أنهم منخرطون في الخطة ؟
إن أخطر ما في هذه الخطة أنها تُعيد رسم خريطة فلسطين بقرار دولي مُلبس، يدفن حلم الدولة الفلسطينية، ويحول غزة إلى كيان محكوم باستعمار جديد بغطاء بريطاني – أمريكي، وحاكم اسمه توني بلير.










