محمد أمين يكتب| من مواطن للرئيس

جاء عقد المؤتمر الاقتصادى كأحد أهم الأحداث التى شهدتها القاهرة، لكونه أحد مساراتالدولة المصرية لمواجهة الأزمة العالمية واستكمالًا لمسار الحوار الذى حرصت عليه الدولةالمصرية وحديث المصارحة بين الرئيس والشعب.
في ظل حرب تديرها قوى الشر محاولة إعادة الروح إلى مخططها الاستراتيجي لإسقاطالدولة المصرية، فكان وعي الشعب لها بالمرصاد وتحرك القيادة لمواجهة مخططات هدمالدولة، من خلال تثبيت أركانها وإعادة بنائها، إحدى ركائز النجاح.
جاء حديث المصارحة من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمرمن خلال طرحه مجموعة من النقاط، وعلى مدى ثلاثة أيام ناقش المؤتمر توصيف الحالةالمصرية والتحديات التى تواجهها وكيفية عبور المرحلة لاستكمال مسار الدولة المصريةوفق فلسفة الحكم التى حددها الرئيس لمصر (وهى أن تتحرك الدولة وفق استراتيجيةالمسارات المتوازية) لمواجهة التحديات.
كلمات الرئيس فى بداية المؤتمر والتوصيات الصادرة عنه والقرارات الحكومية التى تلتهتستوجب منا أن نتوقف عندها.
ليس نقدًا وإنما هى رسالة من مواطن للرئيس فى ظل الحرب التى تستعر ضد الدولةالمصرية مستغلة تأثير الأوضاع الاقتصادية على مصر والعالم، وحالة عدم الاستقرار التىتضرب المحيط الإقليمى للدولة.
جاء حديث الرئيس فى كلمته خلال الجلسة الافتتاحية متضمنًا عدة نقاط توقف عندها،وهو ما أتوقف عنده كمواطن يرسل بعدة رسائل إلى الرئيس، فقد قال: «عمق الأزمة التىتعانى منها الدولة المصرية فى العصر الحديث يتطلب إجراءات حادة وقاسية ومستمرةلعلاج كافة الاختلالات التى تشكلت خلال الـ50 عامًا الماضية.. حيث إن الأزمات التى عانتمنها مصر تطلبت إجراءات وحلولًا جذرية».
الرسالة الأولي:
نعم الدولة المصرية كانت تعانى من أزمة حقيقية على مدار الخمسة عقود الماضية بل أكثرمن الخمسة عقود بكثير، فصورة القاهرة التى يتحدث عنها الجميع بأن شوارعها كانتتغسل كل يوم، ليست هى صورة مصر الحقيقية.
نعم كانت هى الصورة المصدَّرة للخارج فى الأربعينيات والخمسينيات تبهر العالمبجمالها، ولكن غالبية الشعب لم يكن يجد سوى لقيمات ونحن أبناء الريف نعلم ذلك تمامًاوسمعنا تفاصيله من أجدادنا ولم ننس السخرة فى حقول الأسرة المالكة والكوليرا التىكانت تضرب أجساد المصريين فتدفعهم إلى المصير المحتوم، وحالة العوز الشديد الذى كانيعانى منه أكثر من 90% من أبناء الشعب المصرى بناة الدولة الحقيقيين، ولن ننسى حفرالقناة التى دفنت فى رمالها مئات الآلاف من المصريين.
إنها أزمة تجاوزت الخمس عقود بكثير، وعندما حاول المصريون تغيير واقعهم كانت قوىالشر لهم بالمرصاد لوقف هذا التغيير.
فازدادت العشوائيات وأصبحت الصحة (بعافية) وكانت وسائل النقل الحديثة
لا يحظى بها سوى عدة مدن منهما العاصمة والإسكندرية، ولم تكن هناك كهرباء أوخدمات أو بنية تحتية رغم الزيادة السكانية، وما إن بدأت الدولة إعادة بناء مؤسساتهاعقب ثورة يوليو حتى كان استهداف قوى الشر لها بدءًا من العدوان الثلاثى مرورًا بـ 67 وانتهاءً بمواجهة الإرهاب والحروب غير التقليدية، مما زاد من حجم التحديات وعمقالأزمة بل إن الحلول غير الجذرية لها ضاعف من حدتها، وهنا كانت فلسفة الحكم فىالجمهورية الثانية هو العمل بمسارات متوازية لمواجهة التحديات وحل الأزماتوالمشكلات ومنع تكرارها، وهو تحدٍ غاية فى الصعوبة، وهذا ما ندركه كمواطنين فكان لابدلنا أن نتحمل.
الرسالة الثانية:
ثم تحدثتم عن أن «مجابهة هذه التحديات كانت تصطدم بمحاذير الحفاظ على الاستقرارالهش للدولة بدلًا من التحرك فى مسارات الحلول الحاسمة التى تتسم بالخطورة.»
سيادة الرئيس بالفعل كانت عملية مجابهة التحديات التى كانت تواجهها مصر والأزمات،وكان الاستقرار الهش بمثابة صخرة صلبة فى مواجهتها فكيف لدولة بمجرد أن تتحركباتجاه إحدى خطوات الإصلاح الاقتصادى لها، تواجه بحالة من الفوضى، رغم أن المواطنفى تلك المرحلة كانت لقرارات الدولة لديه رصيد كبير من الثقة، بعد تحقيق النصر، لكنالدولة المنتصرة كانت مازالت تلملم جراحها من آثار ما تكبدته على مدى سبع سنوات،وظن المواطن أن الحرب قد انتهت وعليه ان يسرع بحصاد ثمار ما زرعه وما تكبده لاستعادةالأرض؛ فلم ندرك وقتها أننا نخطئ فى حق أنفسنا.
الرسالة الثالثة:
لقد قلتم: «محصلة الضغوط الداخلية والخارجية كانت دائمًا تتطلب دعمًا شعبيًا قويًاومستمرًا وتضحيات لم يكن الرأى العام مستعدًا لتقديمها فى ظل حالة الفقر والعوز التىيعيش فيها لسنوات طويلة».
وهذه النقطة ترتبط بسابقتها، فالشعب الذى عانى وتحمل الكثير لدعم قواته المسلحة فىمعركة تحرير الأرض أصابته حالة من الفقر والعوز، ولم يكن مقبولًا لديه بعد أن حققالنصر الذى ظن أنه قد انتهت به المعركة، ولم يدرك أن المعركة لم تنته بعد، فرفض أى محاولةللإصلاح الداخلي، الذى كان يحتاج لمزيد من الدعم الشعبي.
الأمر الذى نتج عنه حالة استقرار ولكن تفاقمت الأزمة من الداخل وزادت حجم التحدياتلدى الدولة.
الرسالة الرابعة:
«إننا ندرك أن حجم الثقة فى قدرة أجهزة الدولة لإيجاد مسار صحيح وسط خيارات صعبةكان يتطلب عملًا شاقًا ومستمرًا لم يكن متوفرًا فى ظل عودة جماعات ما يسمى بالإسلامالسياسى المستمرة فى التشكيك والتشويه وأحيانًا التخريب والقيام بعمليات إرهابيةتستهدف ضرب أحد أهم موارد الخزانة العامة للدولة (السياحة) بل وضرب الاستقرار، فرغمأن الرئيس السادات منحهم الفرصة ليقدموا مشروعًا، ولكن النتيجة أنهم لا يعرفون سوىلغة الدم فقتلوه».
المشهد الذى تكرر عقب أحداث يناير 2011 فاستهدفوا إحداث الفوضى للوصول للحكم،وما إن وصلوا إليه «لم يكن لديهم مشروع أو خارطة طريق حقيقية لإعادة بناء الدولة منجانب».. «وكان غياب الرؤية من جانب الكثير من المثقفين والمفكرين والمهتمين لحجمالتحديات المطلوب مجابهتها.» وكانت النتيجة قفز الجماعة الإرهابية على كرسى الحكموسعيها لتحويل الدولة إلى لا دولة فالتنظيم لا يؤمن بالوطن ويراه حسب مرشدهم(عاكف) ليست إلا حفنة من تراب عفن أمام مشروعهم.
لكن الشعب أدرك سريعًا واستعاد دولته ولكن بتكلفة باهظة أثرت بشكل كبير علىالاقتصاد وقدم التضحيات من أرواح ودماء أبنائه من القوات المسلحة والشرطة فىمواجهة الإرهاب.
الرسالة الخامسة:
«الجهاز الإدارى للدولة لم يكن مستعدًا لتنفيذ خطط الإصلاح المطلوبة، بل بدا واضحًا أنالإصلاح يجب أن يشمل هذا الجهاز ويعالج ترهله» وهى حقيقة نتاجها كان مجموعةالمصطلحات والعبارات التى رسخت فى الموروث الشعبى مثل «فوت علينا بكره يا سيد» «شخلل علشان تعدي» «الجنيه غلب الكارنيه» وغيرها من العبارات التى عبرت عن خللجسيم فى الجهاز الإدارى يجب علاجه ليكون قادرًا على تحمل تنفيذ خطط الإصلاح،بالإضافة إلى ما تحمله هذا الجهاز من تبعات بعد أحداث 2011 والتعيينات غير المبررةوالتى ما زال يعانى من آثارها بعد 11 عامًا.
ولكن مع ما يحدث حاليًا من تطوير للجهاز الإدارى للدولة وميكنة الخدمات وغيرها إلا أنالعامل البشرى ما زال عقبة من العقبات يجب الانتباه إليها، لأن العبارات السابقة باتت فىالعديد من المصالح مستبدلة بعبارة جديدة مثل «السيستم وقع»، الأمر الذى يستلزم منالمسؤولين المتابعة الدقيقة لسير العمل والحوار مع المواطنين، فليس من المعقول أن يجرىالرئيس حوارًا مع المواطنين أسبوعيًا خلال تفقده للمشروعات ونجد مسؤولين بل رؤساءأحياء لا يستطيع المواطن الوصول إليهم.
الرسالة السادسة:
نعم كانت ردود الأفعال الشعبية لتحمل تكلفة الإصلاح وضغوطها دائمًا ما تشكل هاجسًاضخما وعميقًا لدى صناع القرار وتقديرات الأجهزة الأمنية؛ وقد كانت أحداث يناير 1977 دليلًا على ذلك، وكانت بمثابة هاجس للقيادة السياسية بعد ذلك، كما أن رصيد القيادةالسياسية والحكومة لم يكن بالقوة اللازمة التى يمكن أن تشكل قاعدة لانطلاق خارطةطريق صعبة ومريرة تحتاج لسنوات عمل شاقة وطويلة.
بالإضافة إلى أن قدرات الدولة المصرية لم تكن أبدًا كافية خلال العقود الماضية لتلقىضربات هائلة ومتتالية مثل الصراعات والحروب، الأمر الذى ندركه تمامًا، فهناك تحدياتكثيرة واجهت متخذ القرار وجعلت من الصعب التحرك باتجاه حلول جذرية رغم إدراكهالتام أن تلك الحلول سيكون لها أثر إيجابى على المواطن فى المستقبل.
ولكن عدم وضوح المشهد بالكامل للمواطن فى ذلك الوقت وعدم قدرة القوى الناعمة علىالتحذير من خطورة تفاقم الأوضاع ما لم يتم اتخاذ قرارات جريئة للإصلاح جعل الضغوطالداخلية بالإضافة إلى الضغوط الخارجية حائلًا دون التحرك فى الاتجاه الصحيح، الأمرالذى جعل تكلفة الإصلاح فى زيادة يومًا بعد يوم، وأصبح تداخل الأزمات وتشابكها يشكلحالة من الإحباط واليأس لدى الغالبية، وليس فى الإمكان أحسن مما كان.
هذا ما يدركه المواطن الآن ويجعله يتحمل حجم التبعات الصعبة للإصلاح الاقتصادى فىسبيل الوصول إلى الهدف (النهوض بالدولة والوصول لمكانتها التى تليق بها).
الرسالة السابعة:
نعم لم تستطع الدولة بناء سياق فكرى إصلاحى للحالة فى ذلك الوقت، ولم تكنمؤسساتها عمليًا قادرة على تنفيذه حتى لو تم طرحه والتأكد من سلامته.
لكننا بعد أحداث 2011 وما أحدثته فى مصر والمنطقة المحيطة ندرك أن ما يجرى علىأرض مصر يستهدف بناء دولة قوية قادرة على حماية مقدراتها والحفاظ على أمنهاواستقرارها، مستهدفة رفع مستوى معيشة مواطنيها؛ نعم ما تحقق حتى الآن لم يصل إلىما نطمح إليه كمواطنين، ولكن لأن طموحنا نحن المواطنين يتطابق مع طموحكم (سيادةالرئيس) فإننا سنظل على العهد مدافعين عن هذه الدولة لأننا نثق فى قيادتكم وإخلاصكم.
مع العلم أننا ما زلنا فى حاجة إلى استراتيجية لبناء الوعى فى ظل معركة أخطرأسلحتها هو السيطرة على العقول.
إن إيمان الشعب وثقته فى قيادتكم وإيمانه بحجم التحديات نابع من وعى فطرى لديه قدتؤثر فيه قوة الحرب الموجهة إليه، لكن لا تجعله يحيد أبدًا عن إدراك حجم المخاطروالتحديات وحجم ما تحقق من إنجاز خلال الفترة الماضية لتثبيت أركان الدولةومؤسساتها لتصبح قادرة على القيام بدورها لخدمة المواطن.
نعم «التحديات لن تنتهى فى أى دولة فى العالم، والحلول فى ظل هذه المعطيات باتتمستحيلة خاصة مع تداخل الأولويات» لكننا نثق أن بالعمل والإنتاج والجد والحرفيةوالثقة الدائمة فى الله ثم الثقة فى قيادتكم لهذا الوطن فإننا نسير نحو مستقبل أفضل.
الرسالة الثامنة:
سيادة الرئيس لقد تساءلتم ما الحلول ودرجة جودتها وكفاءتها.. وهل نحن مستعدونللتكلفة شعبًا وحكومة وقيادة؟ وإذا كانت الحلول أقل من التحدي، فإن التحدى سيكبرويزيد، وإذا كانت الحلول متساوية مع التحدي.. سيصبح التحدى قائمًا، ولكن لو كانتالحلول أكبر من التحدى فإن التحدى سيتراجع.
ونحن نؤكد لكم أن ما تحقق خلال السنوات السبع الماضية من إنجاز يؤكد أننا نثق فيماتقومون به .. نعم البسطاء مازالوا يعانون رغم ما تحقق ورغم حزم الرعاية الاجتماعيةالتى تزداد، لكن لا يمكن أن تزعزع ثقتنا فى الدولة ولا يمكن أن نتركها تضيع فى محيطيموج بالفوضى.
نعم لدينا ملاحظات على أداء بعض الوزراء والمسؤولين، خاصة فى الوزارات الخدمية،لكننا لا يمكن أبدًا أن نسمح بأن تسقط الدولة المصرية أو تعود جماعة الدم و الإرهاب إلىالمشهد من جديد، نحن ندرك حجم التحديات ونرى بدقة حجم المخاطر والتهديدات.
الرسالة الأخيرة
نؤكد لكم أننا لا يمكن إلا أن نكون معكم فى خندق واحد وعلى خط المواجهة، لحماية الوطنوالتصدى لمحاولات أعدائه النيل منه، لن نترك محاربًا مخلصًا محبًا لوطنه يقف إلا وكنامعه كتفًا بكتف، سنتحمل كافة الصعاب، فالشعوب لا تموت جوعًا، لكنها تموت عندماتفقد أوطانها.
—————
نقلاً عن مجلة أكتوبر










