مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب:احتياج الكنيسة المصرية للمجلس الملي

تُمثل تجربة المجلس المللي في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية محاولة مبكرة ورائدة لإقرار مبدأ المشاركة الشعبية والتنظيم المؤسسي؛ حيث جاءت نشأته في أواخر القرن التاسع عشر بجهود من بطرس باشا غالي وكبار أراخنة الأقباط، وبموافقة الخديوي توفيق والبابا كيرلس الخامس، ليكون هيئة مدنية تُعنى بإدارة الأوقاف، والمدارس، والمستشفيات، وقضايا الأحوال الشخصية، وتنظيم المالية بعيداً عن الشؤون العقائدية والطقسية. غير أن السيرة التاريخية لهذا المجلس شهدت صدامات ومنازعات متكررة حول حدود السلطة بين القيادة الروحية والأعضاء المنتخبين، وهي خلافات امتدت عبر حبريات متعاقبة بداية من نفي البابا كيرلس الخامس إلى دير البراموس، مروراً بتوترات عهد البابا يوساب الثاني، وانعطافاً نحو تقليص الصلاحيات لصالح هيئة الأوقاف القبطية في عهد البابا كيرلس السادس، وصولاً إلى استيعاب المجلس وهيمنة الرئاسة الدينية عليه في عهد البابا شنودة الثالث الذي أسبغ على أعضائه رتباً دياكونية وتوقف عن إجراء انتخابات جديدة له منذ تسعينيات القرن الماضي.

ومع التحولات القضائية ونقل اختصاصات الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية، آل الوضع الراهن إلى تجميع كامل الصلاحيات الإدارية والمالية والتنفيذية في أيدي رجال الدين، مما أفضى إلى إشكالية هيكلية شائكة؛ إذ إن معظم رجال الدين – بحكم طبيعة إعدادهم الروحي واللاهوتي – يفتقرون إلى ثقافة الإدارة المالية، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة الفنية للمشروعات. وقد ترتب على هذا الاستئثار الأحادي بالقرار وقوع أخطاء إدارية ومالية جسيمة، وإهدار لموارد الأوقاف والخدمات نتيجة الاجتهادات الفردية غير المتخصصة. والأخطر من ذلك هو انعكاس هذه الإخفاقات على الارتباط الإيماني للمواطن المسيحي بكنيسته؛ فحين يتصدر رجل الدين المشهد الإداري والتنفيذي، تصبح صفته الروحية والدينية عرضة للتقييم والتجريح عند حدوث أخطاء بشرية في إدارة المال أو المشروعات، مما أدى إلى تآكل الثقة واهتزاز صورة المؤسسة في أذهان الأجيال الجديدة.

إن الإجابة عن سؤال الأمل في عودة المجلس المللي تتوقف على التخلي التام عن نمطه القديم الذي كان يقوم على مجرد الوجاهة الاجتماعية لأعيان الطائفة، وتجاوز مسمّاه العتيق الذي يحمل إرثاً ينتمي لقرون مضت، نحو تبني مسميات حديثة تُعبّر عن واقع الدولة المدنية مثل “المجلس الإداري القبطي” أو “المجلس الاستشاري”. وإن بعث هذا الكيان لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة لحماية الكنيسة ذاتها عبر إعادة ضبط المنظومة وفق نمط جديد يعتمد على خبراء ومفكرين ومتخصصين في الاقتصاد، والقانون، والتكنولوجيا، والتخطيط الاستراتيجي، مع تمثيل حقيقي للشباب والمرأة وأقباط المهجر. يقتضي هذا التحول حصر دور الإكليروس في الرعاية الروحية والتعليم العقائدي، مع تسليم إدارة الأوقاف والمؤسسات الخدمية والمالية بالكامل للخبراء المتخصصين، ليتحقق التككامل المؤسسي بين حكمة الإدارة وحرمة المقدّس، وتُستعاد الثقة في كنيسة تُدار بعقول عصرها وتحفظ لرجال الدين وقارهم الروحي.

زر الذهاب إلى الأعلى