إيمان سعيد تكتب: أي قلبٍ هذا الذي يرى ابنه يتألم ولا يهتز؟

هناك نوع من القسوة لا تستطيع الكلمات أن تفسره؛ أن يكون الإنسان أبًا أو أمًا، ثم يصل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يرى ابنه محطمًا من الداخل، يعرف أنه يشتاق إليه ويحتاجه ويبحث عن أمانه، ثم يعود إلى حياته وكأن شيئًا لم يحدث. كيف يستطيع أب أن يعيش يومه طبيعيًا وهو يعلم أن ابنه في مكان آخر يتألم لأنه محروم منه؟ وكيف تستطيع أم أن تواصل حياتها وهي تعرف أن طفلها يحمل في داخله احتياجًا لا يجد من يحتويه؟ كيف يصبح قلب الأب أو الأم قادرًا على احتمال أن يسمع من ابنه: «أنا محتاجك»، ثم لا يتحرك فيه شيء؟
المسألة ليست مجرد خلاف بين الكبار، وليست حكاية من المخطئ ومن المصيب، ولا مَن يستحق الغضب ومَن يستحق العقاب. المسألة تبدأ من الداخل، من ذلك الجزء الذي يفترض أن يكون أكثر أجزاء الإنسان رحمة تجاه ابنه. كيف يتحول الغضب إلى قسوة، وكيف يتحول الجرح إلى رغبة في الانتقام، وكيف يصبح الطفل هو الحلقة الأضعف التي يدفع من خلالها أحد الطرفين ثمن غضبه من الآخر؟ كيف يمكن لإنسان أن يحرم ابنه من شخص يحبه فقط لأنه يريد أن يؤلم هذا الشخص؟ وأي شيء يمكن أن يبرر أن يصبح الطفل وسيلة ضغط أو ورقة انتقام أو شاهدًا على معركة لم يختر أن يكون طرفًا فيها؟
الطفل لا يفهم منطق الكبار ولا يعرف حساباتهم، هو يعرف شيئًا واحدًا فقط: أنه يحتاج أباه وأمه. يحتاج أن يشعر أن هناك ظهرًا يستند إليه، وبيتًا يعود إليه، وقلبًا يستطيع أن يذهب إليه دون خوف أو حسابات. وحين يُحرم من هذا الإحساس، لا يخرج ألمه دائمًا في صورة بكاء. أحيانًا يتحول إلى عصبية، وأحيانًا إلى صمت، وأحيانًا إلى عناد، وأحيانًا إلى انطواء أو اضطراب أو فقدان ثقة في كل من حوله. وقد يكبر الطفل وهو لا يستطيع أن يشرح لماذا يشعر دائمًا أنه غير آمن، لكنه في الحقيقة يحمل داخله سؤالًا واحدًا لم يجد له إجابة: لماذا لم يحمِني من كنت أعتقد أنه لن يتركني؟
والأشد قسوة أن الأب أو الأم قد يعتادان هذا الوضع مع الوقت. يصبح غياب الطفل شيئًا يمكن التعايش معه، ويصبح اشتياقه تفصيلًا مؤجلًا، ويصبح وجعه جزءًا من المعركة. وهنا تكون الكارثة الحقيقية؛ عندما يعتاد الإنسان رؤية ألم ابنه حتى لا يعود الألم يهزه. فالأبوة والأمومة ليستا مجرد رابطة دم ولا لقبًا نحمله عندما تكون الظروف مريحة، وإنما هما مسؤولية تظهر تحديدًا في أصعب لحظات الغضب. تستطيع أن تكره، أن تغضب، أن تضع حدودًا، أن تبتعد، وأن ترفض الظلم، لكن لا تجعل طفلًا بريئًا يدفع ثمن معركتك.
لأن الطفل عندما يكبر لن يتذكر فقط ما حدث بين الكبار، بل سيتذكر إحساسه وهو يحتاج أباه ولم يجده، أو يحتاج أمه ولم يجدها، سيتذكر المرات التي انتظر فيها، والمرات التي سأل فيها، والمرات التي حاول فيها أن يفهم لماذا أصبح الوصول إلى أحد والديه صعبًا. وقد يأتي يوم لا يعود فيه السؤال: من كان على حق؟ بل يصبح السؤال الأكثر وجعًا: «وأنا كنت فين من كل ده؟ لماذا كان الجميع مشغولين بمعاركهم بينما كنت أنا الذي أنكسر؟»
لهذا، قبل أن ينشغل الأب أو الأم بإثبات أن الآخر مخطئ، عليهما أن ينظرا إلى الطفل الذي يقف بينهما ويسألا نفسيهما بصدق: هل أنا أحمي ابني فعلًا، أم أنني أستخدم ألمه لأؤلم شخصًا آخر؟ هل أنا أساعده على أن يعيش، أم أجعله يحمل جرحًا قد يرافقه طوال عمره؟ لأن الإنسان قد ينسى سبب غضبه بعد سنوات، وقد تنتهي المعركة، وقد تتغير الظروف، لكن الطفل قد يحمل أثر تلك السنوات في علاقاته وثقته بنفسه وإحساسه بالأمان حتى وهو رجل أو امرأة بالغان.
لا تجعلوا أبناءكم يدفعون ثمن شيء لم يفعلوه. لا تجعلوا وجود الأب أو الأم مكافأة أو عقوبة. لا تجعلوا الطفل يشعر أن الحب يمكن أن يُسحب منه عندما يغضب الكبار. فالطفل ليس سلاحًا، وليس رسولًا بين المتخاصمين، وليس صندوقًا تحملون فيه غضبكم، وليس طرفًا في معركة الكبار. هو إنسان صغير وضع ثقته فيكم دون أن يملك حتى القدرة على اختياركم.
والسؤال الذي يجب أن يخيف كل أب وأم ليس: «كيف أنتصر؟» وإنما: «ماذا سيبقى في قلب ابني بعد أن تنتهي كل هذه المعارك؟» لأنك قد تنتصر على إنسان آخر، وقد تثبت وجهة نظرك، وقد يشعر الجميع أنك كنت صاحب الحق، لكن إذا خرج ابنك من التجربة وهو فاقد للأمان، فاقدًا ثقته في الحب، يشعر أن أقرب الناس إليه يستطيعون التخلي عنه عندما يغضبون، فماذا ربحت فعلًا؟
بعض الجروح لا تنزف أمام الناس، لكنها تظل تنزف داخل الطفل سنوات طويلة. وأقسى ما يمكن أن يفعله أب أو أم ليس أن يخطئا في حق ابنهما مرة، وإنما أن يريا وجعه، ويفهما احتياجه، ويملكان القدرة على إنقاذه… ثم يختاران أن تستمر المعركة.
فكيف يهون عليك قلبٌ أنت من صنعته؟ وكيف تستطيع أن تنظر إلى ابنك وهو يقول لك: «أنا محتاجك»، ثم تتركه يواجه وحده شعورًا لم يكن له ذنب فيه؟
هناك أشياء يمكن إصلاحها بعد فوات الوقت، إلا قلب طفل تعلّم مبكرًا أن من كان يفترض أن يكون أمانه… يمكن أن يكون مصدر خوفه وحرمانه ..










