السيد خلاف يكتب: «ساعة الصفر لضرب طهران ؟.. هل هناك متغير جديد باتجاه إسقاط النظام؟»

أعتقد أن هناك شيء ما يتحرك في الظلام حول إيران،وليس بالضرورة أن تكون «ساعة الصفر» قد حُددت بالفعل،لضرب ايران مجددا ، وليس هناك حتى الآن إعلان رسمي يؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل قررتا شن ضربة جديدة هدفها إسقاط النظام الإيراني.
لكن مجموعة من المؤشرات المتزامنة تجعل السؤال مشروعًا: هل دخلت الحرب على إيران مرحلتها الأخطر، وهل انتقل الهدف من إنهاك الدولة الإيرانية وتدمير قدراتها العسكرية إلى محاولة كسر بنيتها السياسية والأمنية من الداخل؟
السؤال لم يعد افتراضيًا بالكامل.
فالجيش الإيراني أعلن، في 21 سبتمبر، أنه تلقى معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف الضربات، وهدد برد واسع على القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خيارات شديدة التصعيد، بينما تتواصل الاتصالات والتحركات الدبلوماسية في محاولة لمنع انفجار جولة جديدة من الحرب.
والأكثر إثارة أن تقارير صحفية كشفت عن اجتماع عسكري سري عقد في ألمانيا، وضم القيادة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وقادة أركان من ثماني دول عربية، بينها السعودية ومصر والإمارات والأردن وقطر والكويت والبحرين.
هذا الاجتماع لم تعلن عنه الحكومات المشاركة، ولم تقدم المصادر المتاحة دليلًا على أنه كان اجتماعًا لإقرار خطة لإسقاط النظام الإيراني، لكنه يكشف بالتأكيد عن مستوى من التنسيق العسكري الإقليمي لم يكن من السهل تصوره قبل سنوات.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية..هل تكون الضربة المقبلة مجرد جولة أخرى من القصف، أم بداية عملية مختلفة تمامًا؟.. من ضرب المنشآت إلى ضرب «العقل السياسي»
الحرب التي بدأت في فبراير 2026 لم تكن حربًا تقليدية محدودة الأهداف.
الضربات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت منذ بدايتها القيادة السياسية والعسكرية والمنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، وانتهت إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وفق مصادر دولية، قبل أن تتمكن إيران من إعادة ترتيب جزء من بنيتها القيادية ومواصلة الحرب.
وهنا تكمن إحدى أهم خلاصات الأشهر الماضية: قتل القادة لا يعني بالضرورة سقوط النظام،وإيران أثبتت قدرتها على تعويض عدد من القادة الذين قُتلوا خلال الحرب، كما استمرت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية في العمل.
ولذلك فإن أي استراتيجية جديدة تريد الوصول إلى «تغيير النظام» ستحتاج إلى ما هو أبعد من اغتيال مجموعة جديدة من القيادات، وإنما ستحتاج إلى ضرب الحلقة التي تربط القيادة بالدولة.
أي ضرب مراكز القيادة والسيطرة، ومؤسسات الأمن، ومراكز الاتصالات، والبنية العسكرية التي تسمح للنظام بإعادة تنظيم نفسه، بالتزامن مع الضغط على الاقتصاد والمجتمع.
وهنا يصبح الداخل الإيراني جزءًا أساسيًا من المعركة.
السيناريو الأخطر: إسقاط القبضة الأمنية، إذا كانت التقارير المتداولة عن وجود خطة لإسقاط النظام صحيحة، فإن المرحلة التالية لن تكون بالضرورة حربًا جوية فقط.
الهدف الأكثر حساسية سيكون إضعاف قدرة الدولة على ضبط الداخل.
الأنظمة لا تسقط بمجرد تدمير مبنى حكومي أو اغتيال مسؤول. تسقط عندما تفقد القدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها، وعندما تبدأ مؤسسات الأمن والجيش والإدارة في العمل بصورة منفصلة، وعندما يتحول الغضب الشعبي إلى اضطراب سياسي وأمني لا تستطيع الدولة احتواءه.
وهذا هو السيناريو الذي يجعل أي ضربة جديدة مختلفة جذريًا عن الضربات السابقة.. لكن يجب هنا التمييز بين التحليل والواقع: لا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن واشنطن وتل أبيب بدأتا بالفعل عملية منظمة لتسليح جماعات داخل إيران بهدف إسقاط النظام، رغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تملكان تاريخًا طويلًا من العمليات السرية والضغط الاستخباراتي ضد إيران.
كما أن وجود معارضة داخلية أو احتجاجات لا يعني تلقائيًا أنها أداة خارجية،وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن أي محاولة لإسقاط النظام من الخارج ستصطدم بالسؤال الأصعب: من يستطيع ملء الفراغ؟
إيران ليست دولة بلا مؤسسات
قد يبدو من السهل على الخرائط العسكرية تصور سقوط طهران تحت ضربات مركزة، لكن إيران ليست مجرد مجموعة من المنشآت العسكرية.
إنها دولة ذات مؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية متشابكة، وفي مقدمتها الحرس الثوري والباسيج والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة المدنية، فضلًا عن شبكات اجتماعية وسياسية واقتصادية تشكلت على مدى عقود، ولهذا فإن إسقاط القيادة شيء، وإسقاط النظام شيء آخر تمامًا.
بل إن التجربة التي حدثت خلال الحرب الحالية تقدم درسًا واضحًا: الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا توجيه ضربات شديدة إلى القيادة الإيرانية والبنية العسكرية، لكن إيران لم تختفِ من المعادلة.
وبحسب تحليل رويترز، خرجت إيران من مراحل الحرب السابقة محتفظة بقدر من القدرة على المناورة والتأثير، فيما بقيت قضايا مثل البرنامج النووي ومضيق هرمز والعقوبات بلا تسوية نهائية.
لكن هناك متغيرًا جديدًا: الداخل
المعادلة الآن أكثر تعقيدًا..الأزمة الاقتصادية، الحرب الطويلة، العقوبات، الضغط على صادرات الطاقة، واضطراب حركة الملاحة، كلها عوامل تضغط على المجتمع الإيراني.
وفي المقابل، أظهرت طهران أيضًا قدرتها على حشد قطاعات من المجتمع حول فكرة الدفاع عن الدولة في مواجهة الهجوم الخارجي؛ ففي 18 سبتمبر شهدت العاصمة تجمعًا حكومي التنظيم شارك فيه مئات الآلاف، مع إعلان أعداد كبيرة من المتطوعين استعدادهم للتدريب العسكري.
إذن الصورة ليست «نظامًا ينهار وشعبًا ينتظر لحظة سقوطه»،الصورة إذن أكثر تعقيدًا:
هناك غضب اجتماعي وضغط اقتصادي، لكن هناك أيضًا نزعة قومية دفاعية يمكن أن تزداد قوة كلما تحولت الحرب إلى محاولة لإسقاط الدولة، وهذا تحديدًا هو أحد أخطر الحسابات التي تواجه واشنطن وتل أبيب.
وماذا عن الدول العربية؟
وهنا يجب التوقف طويلًا..فالاجتماع العسكري السري الذي جمع الولايات المتحدة وإسرائيل وعددًا من الدول العربية، إذا صحت تفاصيله كما أوردتها Axios، يفتح الباب أمام أسئلة كبيرة حول الدور العربي في المرحلة المقبلة.
لكن المشاركة في التنسيق العسكري أو الأمني لا تعني بالضرورة المشاركة في هجوم على إيران، ولا تعني الموافقة على إسقاط النظام الإيراني.
الدول العربية نفسها ستكون أول من يدفع ثمن أي انفجار شامل، عندك
الخليج، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وباب المندب، وأسواق الطاقة، والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، كلها ستكون داخل دائرة الخطر.
ولهذا فإن الحساب العربي مختلف عن الحساب الإسرائيلي، إسرائيل قد ترى في إضعاف إيران فرصة استراتيجية، وواشنطن قد تنظر إلى تغيير ميزان القوة باعتباره جزءًا من إعادة ترتيب المنطقة.
لكن الدول العربية مطالبة بحساب سؤال آخر:ماذا يحدث في اليوم التالي لسقوط النظام الإيراني؟ومن يحكم إيران؟ومن يسيطر على الجيش والحرس الثوري؟وماذا يحدث للأقليات والقوميات المختلفة؟ وهل تتحول إيران إلى دولة مركزية جديدة، أم تدخل في صراع داخلي طويل؟ وماذا يحدث للعراق وسوريا والخليج واليمن ولبنان؟
هذه ليست أسئلة ثانوية، إنها جوهر المعركة،كما أن «تغيير النظام» ليس نهاية الحرب، وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذا كانت واشنطن وتل أبيب تفكران بالفعل في الانتقال من سياسة «إضعاف إيران» إلى سياسة «إسقاط النظام»، فإنهما لا تفتحان بالضرورة بابًا نحو نهاية الحرب، وإنما قد تفتحان بابًا لحرب أطول.
وإيران التي تفقد قيادتها قد لا تستسلم
وقد يؤدي استهداف مؤسسات الدولة إلى توحيد قطاعات من المجتمع حول الدولة بدلًا من إسقاطها.
وقد يؤدي انهيار المركز إلى صراع على السلطة بدلًا من إنتاج حكومة بديلة جاهزة.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عن أي حساب عسكري:
إسقاط النظام أسهل بكثير من بناء النظام الذي سيأتي بعده.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تراقبه المنطقة خلال الساعات والأيام المقبلة ليس فقط:
هل ستبدأ الضربة؟
بل: إذا بدأت، فما هدفها النهائي؟
هل هو إجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض؟ هل هو تدمير ما تبقى من قدراتها العسكرية والنووية؟
هل هو إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي؟ أم أن الهدف أصبح بالفعل الوصول إلى لحظة تفقد فيها الدولة الإيرانية قدرتها على السيطرة على عاصمتها ومؤسساتها، فتتحول الضربة الخارجية إلى شرارة لانفجار داخلي؟
حتى الآن، لا توجد أدلة كافية للجزم بالسيناريو الأخير،لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الخطورة: حرب مستمرة منذ فبراير، تهديدات أمريكية بالتصعيد، تحذيرات إيرانية من ضربة جديدة، تحركات عسكرية إقليمية غير معلنة، وأزمة في الخليج ومضيق هرمز.
ولهذا، فإن الساعات المقبلة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد موعد محتمل لغارة جديدة..إنها قد تكون اختبارًا لسؤال أكبر بكثير:
هل تريد واشنطن وتل أبيب إنهاء قدرة إيران على الحرب.. أم إنهاء النظام الإيراني نفسه؟
الفرق بين الهدفين هو الفرق بين جولة جديدة من الحرب، وبين محاولة إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها.










