مقالات الرأى

د. باسم المذحجي يكتب : هل ستطول نزهة إيران في اليمن؟ رسالة من مملكة الضباع والعقرب اليماني

لطالما تعامل العالم مع الأزمة اليمنية كأزمة إنسانية تحتاج إلى مساعدات، بينما هي في جوهرها أزمة هيمنة إقليمية تهدد النظام الدولي. ما يجري اليوم في ريف تعز الجنوبي، وتحديدًا خطة السيطرة على مدينة التربة ومرتفعات المقاطرة، ليس معركة محلية، بل هو الفصل الأخير من مشروع إيراني بدأ بنزهة ثقافية وانتهى بتهديد باب المندب.

_من ولاية الفقيه إلى الوكيل الحصري.

الخطر الحقيقي في الفكر السياسي الإيراني ليس مجرد تصدير الثورة، بل مبدأ “ولاية الفقيه المطلقة” الذي يحول القرار السياسي القابل للنقاش إلى نص مقدس لا يُساءل. هذا المبدأ يلغي الحدود الوطنية ويجعل الولاء للمرشد في طهران فوق الولاء لصنعاء أو بغداد أو بيروت.

ولهذا، فإن الحوثي ليس فاعلاً محليًا، بل هو “الوكيل الحصري” للدولة الإيرانية في اليمن والقرن الأفريقي. الدليل لم يعد تحليليًا، بل ميدانيًا، مئات الخبراء التقنيين من كتائب حزب الله العراقية وحركة النجباء وألوية الوعد الحق يديرون منظومات المسيرات والصواريخ وغرف العمليات المشتركة لمحور المقاومة من داخل اليمن.

هذا النموذج يكرر التجربة الصفوية عام 1501م، عندما حول الشاه إسماعيل الصفوي إيران من بلد سني في غالبيته إلى معقل شيعي بالقوة. اليوم تحاول طهران تطبيق نفس النموذج في بلد سني بنسبة 90% عبر أقلية مسلحة.

_لماذا مدينة التربة؟ ثلاثة أبعاد لخطة الحرس الثوري.

المعلومات الميدانية تشير إلى أن الهدف العملياتي الحالي للحرس الثوري هو السيطرة على مدينة التربة. هذا الهدف يحمل ثلاثة أبعاد استراتيجية خطيرة:

أولاً: البعد العسكري – تطويق عدن: السيطرة على التربة تعني الإطلال الناري المباشر من مرتفعات المقاطرة الشاهقة على محافظتي لحج وعدن. إذا تزامن ذلك مع توغل من محاور كرش والشريجة، وعقبة ثرة مكيراس، وجحين والوضيع في أبين، فإن العاصمة المؤقتة عدن ستصبح مطوقة بالكامل، وسقوط الشرعية يصبح قاب قوسين.

ثانيًا: البعد الدولي – باب المندب الثاني: الأهم من كل ذلك هو جبل منيف الاستراتيجي المطل مباشرة على مضيق باب المندب. من يسيطر على هذا الجبل يسيطر على 12% من التجارة العالمية. إيران تريد تحويل باب المندب إلى مضيق هرمز ثانٍ، حيث لن تمر السفن التجارية إلا بعد دفع أتاوات. هنا تتحول القضية من يمنية إلى قضية أمن دولي يمس واشنطن وبكين وأوروبا.

ثالثًا: البعد الاقتصادي – الخنق: قطع طريق المقاطرة – هيجة العبد – وادي طور الباحة يعني قطع الشريان البري الوحيد الرابط بين تعز وعدن، وخنق كامل للمناطق المحررة.

_سر صمود الحجرية.. مملكة الضباع والعقرب اليماني .

لماذا فشلت كل محاولات إخضاع هذه المنطقة؟

الجواب في التاريخ. في أوائل عشرينيات القرن الماضي (1920-1922)، جهز الإمام يحيى حميد الدين جيشًا جرارًا لفرض السيطرة على قلعة المقاطرة. صمد أبناء المنطقة بقيادة آل علي سعد عامين كاملين حتى وصفت القلعة بـ “مقبرة الغزاة” كما كانت من قبل مقبرة للعثمانيين.

هذا الإرث ما زال حيًا. سر صمود الحجرية اليوم هو توليفة فريدة: جغرافيا جبلية وعرة تمنح المدافع تفوقًا تكتيكيًا، ووعي جمهوري متجذر يرفض الفكر الطائفي، ونفير قبلي تلقائي من قبائل العلقمة وراسن والصبيحة، وإرث رمزي لقادة مثل عبدالرقيب عبدالوهاب وعدنان الحمادي.

“البعد المنسي: مهد اليهودية والمسيحية”

ما لا يعرفه كثيرون أن الحجرية والتربة هي مهد التسامح الديني في الجزيرة العربية. كانت موطنًا لأقدم جالية يهودية يمنية هاجرت بعد خراب الهيكل عام 586 ق.م، وعاشت قرونًا كصاغة ذهب بسلام مع جيرانها المسلمين. ومن جوارها مرت المسيحية إلى نجران. أرض عرفت التوراة والإنجيل والقرآن معًا لن يحكمها فكر طائفي مستورد من قم.

وهذا البعد الحضاري هو ما يجعل قضية التربة قضية تهم الفاتيكان والعالم، وليس اليمن وحده.

_الخلاصة: الخط الأحمر الذي سيغير قواعد اللعبة.

لقد تعامل الغرب مع الحوثي كورقة ضغط إقليمية يمكن احتواؤها بضربات جوية. لكن التقدم نحو التربة والمقاطرة وجبل منيف هو تجاوز للخط الأحمر الأمريكي والغربي.

في عقيدة البنتاغون، السيطرة البرية الكاملة على باب المندب هي إعلان حرب على الاقتصاد العالمي. من يهدد إمدادات الطاقة العالمية لا يتم احتواؤه، بل تتم إزالته. وهذا هو الدرس الذي يجب أن يفهمه الحوثي قبل فوات الأوان.

المقاطرة بعيدة عن الحوثي بعد عين الشمس، وتاريخها يقول إنها مقبرة الغزاة. وإن اقترب منها، فلن يكون في مواجهة أبناء تعز وحدهم، بل في مواجهة إرادة دولية لن تسمح بتحويل باب المندب إلى هرمز ثانٍ.

وأخيرًا يا عبدالملك،

إذا كنت تظن أن التربة والمقاطرة والحجرية مجرد مديريات على خارطة تعز، فأنت لا تعرف التاريخ، ولا تعرف الرجال.

هذه ليست أرضاً تُغزى. هذه مملكة الضباع والعقرب اليماني. من دخلها غازيًا، خرج منها محمولاً أو لم يخرج أبدًا.

اسأل جدك الإمام يحيى حميد الدين. هو يعرفها جيدًا.
وحدث أسيادك الملالي في طهران.
فإذا كان جدك بكل جبروته ومدافعه لم يستطع إخضاعها إلا بعد عامين من الدم، فهل تظن أنت بميليشياتك أنك تستطيع؟

اعرف حدودك..ياعبد أسيادك في طهران.

التربة والمقاطرة والحجرية ليست صعدة. وليست عمران.

هنا كل حجر مقاتل، وكل شعب رجل، وكل طفل يحفظ تاريخ ثورة القلعة.

《هنا *العقرب اليماني* يلدغ بصمت ويميت بسمه، و*الضباع* لا تأكل الجيفة بل تصطاد الأسود.》

نقولها لك بوضوح لا لبس فيه:

المقاطرة بعيدة عنك بعد عين الشمس. وإن اقتربت، فستكون مقبرتك كما كانت مقبرة جدك الإمام.والوجه من الوجه أبيض.

هذا إنذار تاريخي، من أرض لا تعرف الهزيمة ولا تستسلم.

《التربة – المقاطرة – الحجرية.. خط أحمر، ونار حمراء.》

باحث استراتيجي يمني.

زر الذهاب إلى الأعلى