مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب: حرب الحوثي علي السعودية ومخطط مملكة داوود المزعومة

منذ بداية الأزمات المتعاقبة في المنطقة العربية، تظل التحركات والمواقف العسكرية والسياسية محكومة بمواجهات متداخلة تتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الضيقة. وتأتي التطورات المتسارعة الأخيرة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي في اليمن لتطرح التساؤل الأكثر حرجاً واستراتيجية: هل يُراد بالمنطقة الوصول إلى مرحلة تقسيم السعودية؟

إن التصريحات المنقولة عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي أشار فيها إلى أنه لولا المراعاة لحياة ودماء الشعب اليمني لدخلت القوات العسكرية العاصمة صنعاء في حسم سريع، جاءت لتؤكد حقيقة الردع في مواجهة التجاوزات المستمرة. لكن التصعيد الحوثي الأخير، المتمثل في تحريك الخطاب نحو ادعاء ما يُسمى بالحقوق التاريخية في مناطق عسير وجازان ونجران، يعكس مساراً مختلفاً تماماً عن مجرد صراع على السلطة داخل اليمن؛ إذ يحاول الحوثي توسيع نطاق المواجهة ودفع الحدود إلى حالة تفكيك وتوتر دائم. ومن هنا، دفعت المملكة بتعزيزات عسكرية ومدرعات وسلاح الجو لتأمين حدودها الجنوبية، في تحرك طبيعي لحماية أمنها القومي وأراضيها أمام جماعة تسعى لكسب الشارع اليمني بالدعايات وتوريط البلاد في صراع بلا نهاية.

وما يثير الفزع في هذا الطرح الحوثي حول مدن الجنوب السعودي، أنه يتشابك بصورة مريبة مع طروحات صهيونية وغربية قديمة واستشراقية حاولت “إعادة توطين” التاريخ التوراتي خارج فلسطين. فقد استندت بعض النظريات البحثية الصهيونية والغربية—وعلى رأسها الأطروحة التشكيكية الشائعة للمؤرخ كمال الصليبي في كتابه “التوراة جاءت من عسير”، والتي استلمها ووظفها مفكرون وجغرافيون استراتيجيون إسرائيليون—إلى مزاعم تزعم أن جغرافية أحداث العهد القديم ومملكة داوود ومسار النبي إبراهيم تقع في الهضاب والوديان الممتدة من عسير ونجران وجنوب الجزيرة العربية وصولاً إلى مناطق جبل العرب والسويداء في سوريا. إن توظيف الحوثي لإعادة إحياء نغمة “الأطالبات التاريخية” في عسير وجازان ونجران، يتقاطع أيديولوجياً وجيوسياسياً مع هذه المخططات التي تسعى إلى خلق “شرعيات تاريخية مزيفة” تُفكك المنطقة وتجعل من جنوب الجزيرة العربية نقطة صراع أيديولوجي ومطامع إقليمية تخدم مشروع “مملكة داوود الكبرى”.

ولكي تكتمل الصورة الشاملة لمخطط “الشرق الأوسط الجديد”، فإن ربط هذا المسار التوراتي للجغرافيا بالممرات الملاحية الاستراتيجية والجزر الحاكمة يفسر الغاية النهائية؛ فالسيطرة على مضيق باب المندب، والجزر اليمنية والمقتربات البحرية الحاكمة في البحر الأحمر وخليج عدن، ليست مجرد تفصيل عسكري عابر، بل هي الحبل الشوكي الممتد من القرن الأفريقي وباب المندب شمالاً نحو خليج العقبة وقناة السويس. إن تحويل باب المندب والجزر المجاورة إلى نقاط خنق استراتيجي تحت إدارة وكلاء إقليميين، يتقاطع كلياً مع مبادرة “ممرات الطاقة والمسارات الإبراهيمية” (Abraham Path Initiative) والمخططات التي نظّر لها خبراء ومفكرون صهاينة وأمريكيون—أمثال برنارد لويس في وثائق تفكيك المنطقة، ومايك هيرتزوغ وبنيامين نيتنياهو في كتاباتهما حول “الشرق الأوسط الجديد”—حيث يُراد إعادة رسم خريطة الطرق التجارية والملاحية لتكون تحت هيمنة التحال الصهيوني-الغرابي، ومحاصرة النواة الصلبة للعالم العربي.

إن القراءة العميقة لهذه التحركات تؤكد أن جماعة الحوثي ليست سوى أداة تحركها القوى التي تقف خلف هذا المخطط؛ الذي لم يتوقف قط، بل يعيد تشكيل أدواته وفق المعطيات الراهنة. إن الهدف الأسمى لهذا المشروع الاستعماري يكمن في إنهاك القوة المركزية الكبرى في الخليج العربي تمهيداً لتقسيم المملكة العربية السعودية إلى ثلاث أو أربع دول طائفية وإقليمية متناحرة. وفي قلب هذا السيناريو، تبرز منطقة الربع الخالي، وهي الرقعة الغنية بالثروات النفطية والمعدنية والهيدروكربونية الهائلة والممتدة بين الحدود، حيث يستهدف المخطط انتزاع التحكم فيها وجعلها منطقة نفوذ مباشر ترعاها وتسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية لحرمان الدولة السعودية والمنطقة من مكامن ثروتها الاستراتيجية.

وليس أدل على أبعاد هذا المخطط الشيطاني من تفكيك الغاية من التصعيد البري الحوثي والمطالبة بالمدن السعودية؛ فهذا التحرك ليس مجرد مغامرة عسكرية منفردة، بل هو سيناريو خبيث صُمم بعناية لسحب الجيش المصري إلى معركة استنزاف طويلة ومفتوحة على الأراضي الخليجية. يعلم خطاطو هذا السيناريو جيداً التلاحم الشعبي والتاريخي بين الشعبين المصري والسعودي، ويدركون أن أي تهديد مباشر لعمق السعودية سيشكل ضغطاً شعبياً وسياسياً هائلاً على القيادة المصرية للتدخل المباشر والحاسم لحماية أمن الخليج باعتباره خطاً أحمر للأمن القومي المصري. وبذلك يكون المخطط قد ضرب عصفورين بحجر واحد: إنهاك الجيش المصري واستنزافه في حرب عصابات على أرض غير أرضه، بالتوازي مع تفكيك واستنزاف قدرات الجيش السعودي.

وما يدعم هذه الرؤية هو التحول المتسارع في الخطاب السياسي الدولي، خصوصاً ما أعلنه دونالد ترامب مؤخراً بشأن احتمال عقد لقاء مع الرئيس الإيراني للوصول إلى اتفاق ينهي الصراع. إن الرؤية الاستراتيجية لتحليل هذا التصريح تشير إلى أن واشنطن تتجه لضم إيران وأذرعها بالكامل إلى تحالف جديد يضمن تنفيذ الحد الأدنى من مخطط الشرق الأوسط الجديد. هذا المخطط، الذي جرى التخطيط له في المقام الأول لتفكيك الدولة المصرية وسقط أمام صلابة مؤسساتها وعيها الشعبي، يُعاد توجيهه اليوم ونقله إلى مرحلته الأخيرة والأكثر خطورة التي تستهدف تدمير وتقسيم السعودية.

أمام هذا الواقع المعقد، الذي تدخل فيه أطراف كبرى لإعادة رسم الخرائط، يبدو واضحاً أن التكتيكات التقليدية والرهان على الحماية الأمنية الغربية المتمثلة في واشنطن لم يعودا خياراً أمناً. إن الحل الوحيد والمصيري أمام المملكة العربية السعودية يتلخص في التوقف الفوري عن الاعتماد على مظلة الحماية الأمريكية التي أثبتت أنها تدير الأزمات ولا تحلها، والإسراع بالاصطفاف الكامل والتنسيق الاستراتيجي المباشر خلف مصر وشعبها وجيشها، مع إحداث توازن جيوستراتيجي حقيقي عبر استدعاء النفوذ الروسي والصيني إلى المنطقة وتفعيل الشراكات القوية مع الأقطاب الدولية الجديدة؛ فذلك وحده هو السد المنيع الكفيل بإحباط مخطط التقسيم، وحفظ مقدرات الأمة العربية، وقطع الطريق على صراع إقليمي مفتوح لا يخدم سوى أعداء المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى