مقالات الرأى

إيمان سعيد تكتب: حين يسقط الحذر… تظهر الذات أخطر ما تفعله الحياة

نولد بعفوية كاملة، نتكلم بلا خوف، نُظهر مشاعرنا كما هي، نضحك بصوت مرتفع، نثق بسهولة، ونمنح أجزاءً منا للعالم دون حساب. ثم تبدأ الحياة تدريجيًا في تلقيننا دروسها القاسية؛ موقف يكسر شيئًا في الداخل، خذلان يزرع الشك، كلمة عابرة تترك أثرًا لا يُنسى، وتجربة واحدة كفيلة بأن تجعل الإنسان يعيد ترتيب علاقته بنفسه وبالآخرين. ومن هنا يبدأ الحذر… ذلك الضيف الذي يدخل أرواحنا بصمت ثم يستقر طويلًا.

مع الوقت لا يعود الإنسان يتصرف كما يشعر، بل كما يضمن ألا يُؤذى. يختار كلماته بعناية، يراقب ردود أفعاله، يتراجع عن عفويته، ويبدأ في بناء نسخة أكثر تحفظًا من نفسه. يظن من حوله أن هذه طبيعته، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما نراه في الناس ليس شخصياتهم الحقيقية، بل أنظمة دفاع صنعوها بعدما علمتهم الحياة أن الصدق وحده لا يكفي دائمًا.

كم من شخص يبدو هادئًا بينما داخله عالم كامل من الحكايات، وكم من إنسان نظنه باردًا وهو في الحقيقة فقط أنهكته التجارب حتى أصبح يخشى أن يمنح مشاعره بسهولة. بعض البشر لا يعيشون بشخصياتهم الأصلية، بل يعيشون بالشخصية التي صنعتها جروحهم القديمة.

لكن المدهش أن كل هذا يتغير في لحظة واحدة… لحظة يشعر فيها الإنسان بالأمان الحقيقي. حين يجد مكانًا لا يحتاج فيه أن يثبت شيئًا، أشخاصًا لا يخاف بينهم من سوء الفهم، قلوبًا لا تجبره أن يشرح نفسه باستمرار، عندها فقط يبدأ ذلك الحذر الذي بناه لسنوات في السقوط تدريجيًا.

وفجأة تظهر الذات التي غابت طويلًا. يتكلم الصامت، يضحك المتعب، يطمئن القلق، ويتحول الإنسان إلى نسخته التي أخفاها العالم تحت طبقات متراكمة من الخوف والحذر. وكأن الروح كانت فقط تنتظر الإذن لتعود كما كانت قبل أن تُرهقها الحياة.

الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون أن الإنسان لا يُظهر حقيقته أمام الجميع. نحن لا نكون أنفسنا في كل الأماكن، ولا مع كل الأشخاص. هناك علاقات تجعلنا أكثر انغلاقًا، وهناك أرواح تمنحنا شعورًا نادرًا بأننا لسنا مضطرين للدفاع عن أنفسنا طوال الوقت.

أجمل ما قد يمنحه شخص لآخر ليس الكلمات الجميلة، ولا الوعود الكبيرة، بل شعور بسيط وعظيم في الوقت نفسه… أن يشعره بأنه آمن. لأن الإنسان حين يتوقف عن الحذر، لا يتغير… بل يعود فقط إلى نفسه الأولى، تلك النسخة الصادقة التي أخفتها التجارب.

لهذا لا تحكم على أحد من صمته، ولا تظن أن ما تراه هو كل ما بداخله، فبعض الأرواح لا تكشف جمالها الحقيقي إلا عندما تتأكد أن العالم لن يؤذيها مرة أخرى.

وحين يسقط الحذر… تظهر الذات، ويعود الإنسان أخيرًا كما كان دائمًا يريد أن يكون…

زر الذهاب إلى الأعلى