السيد خلاف يكتب : تقارب تركي– مصري يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة

الحوار العسكري المصري التركي المتكرر بين البلدين يتجاوز البروتوكول، ويرسم خريطة نفوذ جديدة ، وفقا لقراءتي السياسية والإستراتيجية.
فلم يعد التقارب بين القاهرة وأنقرة مجرد خطوة دبلوماسية تتجاوز سنوات من التوتر، بل أصبح يتحول تدريجياً إلى مسار استراتيجي يعكس إدراكاً متبادلاً بأن البيئة الإقليمية تمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، وأن الدول القادرة على التكيف مع المتغيرات ستكون صاحبة الكلمة الأعلى في رسم خرائط النفوذ الجديدة.
ويأتي استقبال رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد فتحي خليفة إلي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، وعقد اجتماع الحوار العسكري رفيع المستوى بين البلدين، والتوقيع على التقرير الختامي للاجتماع، باعتباره تطوراً نوعياً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى مستوى التنسيق المؤسسي بين أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط.
كون الاجتماعات العسكرية بين الدول لا تُعقد عادة لمناقشة ملفات شكلية، وإنما لبحث قضايا الأمن الإقليمي، وتقدير المخاطر المشتركة، وآليات التعاون الدفاعي، وتبادل الخبرات، وبناء الثقة بين المؤسستين العسكريتين.
فقد تحولت العلاقة بين البلدين
من القطيعة إلى الشراكة بسرعة لافتة ،بعدما كانت خلال العقد الماضي واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، إلا أن التحولات الدولية والإقليمية دفعت الطرفين إلى إعادة تقييم حساباتهما.
كان الدافع إلى هذا التحول هو الحروب الممتدة في المنطقة، والتنافس على مصادر الطاقة في شرق المتوسط، والأزمات في ليبيا والسودان وغزة والقرن الأفريقي، جميعها أكدت أن الصدام بين القاهرة وأنقرة يستهلك قدرات البلدين، بينما يحقق التقارب مكاسب استراتيجية للطرفين.
ولذلك انتقلت العلاقات من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة، ثم إلى مستوى الحوار العسكري المباشر، وهو أعلى درجات الثقة بين الدول.
لكن ..لماذا الآن؟.. والإجابة تكمن في
التوقيت الذي يحمل دلالات لا تقل أهمية عن الحدث نفسه،فالمنطقة تعيش حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، في ظل:
-استمرار الحرب في غزة.
-تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر.
-التوتر في شرق المتوسط.
-تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
-إعادة رسم خرائط التحالفات في الشرق الأوسط.
ووسط هذه البيئة المضطربة، تدرك القاهرة وأنقرة أن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق عبر الاستقطاب، وإنما عبر بناء توازنات جديدة تمنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
هذه اللقاءات تحمل رسائل عسكرية وسياسية كبيرة سواء كانت على المستوى الرئاسي في اجتماعات المجلس الاستراتيجي بين البلدين، أومن خلال توافد ولقاءات استخبارية ،أو زيارة رئيس الأركان التركي للمقبرة التركية للشهداء بالقاهرة، ثم النصب التذكاري للجندي المجهول، ثم ضريح الرئيس الراحل محمد أنور السادات، تحمل رسائل رمزية تعكس احترام التاريخ العسكري المصري، والرغبة في فتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل.
أما التوقيع على التقرير الختامي للحوار العسكري، فهو مؤشر على وجود تفاهمات عملية يمكن البناء عليها مستقبلاً في مجالات التدريب، والتنسيق، وتبادل الخبرات، وربما التعاون في الصناعات الدفاعية إذا توافرت الظروف السياسية المناسبة.
مما لاشك فيه أن شرق المتوسط أحد أهم أركان المعادلة الجديدة لهذا التقارب بين البلدين ،ويعيد ترتيب المشهد في شرق المتوسط ،كون
القاهرة تمتلك موقعاً جغرافياً محورياً، وقوات مسلحة تعد من الأقوى في المنطقة، وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
أما أنقرة، فتسعى إلى تثبيت حضورها الإقليمي، وتدرك أن تجاهل الدور المصري لم يعد خياراً واقعياً، ومن ثم، فإن أي تفاهم بين البلدين ينعكس مباشرة على ملفات الطاقة، والملاحة البحرية، وأمن المتوسط، ويقلل من فرص التصعيد بين القوى المتنافسة.
ليبيا والبحر الأحمر
يبقى الملف الليبي والبحر الأحمر أحد أبرز دوافع هذا التقارب ، فالبلدين يملكان تأثيراً مباشراً في المشهد الليبي، وأي تنسيق بينهما قد يحد من فرص الانقسام، ويدفع نحو تسوية أكثر استقراراً.
كما أن التحديات الأمنية في البحر الأحمر، وحماية خطوط التجارة الدولية، ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، تجعل التعاون الأمني بين القاهرة وأنقرة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ومن وجهة نظري لا يعني التقارب المصري التركي قيام محور جديد موجّه ضد أطراف بعينها، بقدر ما يعكس اتجاهاً نحو بناء شبكة توازنات إقليمية أكثر مرونة ، تحفظ للمنطقة مزيدا من الاستقرار،وتوحد مواقف الدولتين علي الساحة الدولية بشأن قضايا المنطقة وأمن الشرق الأوسط .
فالقاهرة تتحرك وفق سياسة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الانخراط في سياسة المحاور، بينما تسعى أنقرة إلى تخفيف حدة التوتر مع القوى العربية الكبرى.
ومن ثم، فإن التقارب بينهما يعزز فرص الاستقرار، ويمنح البلدين مساحة أوسع للتأثير في القضايا الإقليمية، ويحد من قدرة القوى الخارجية على استثمار الخلافات بينهما.
واستمرار الحوار العسكري والسياسي والاقتصادي بهذه الوتيرة يدفع بالعلاقات بين البلدين إلى الشراكة الاستراتيجية، خاصة في ملفات الأمن البحري، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتجارة، والاستثمار.
غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية المتبقية وفق منطق المصالح المشتركة، وعدم السماح للأزمات الإقليمية بإعادة إنتاج التوترات السابقة.
إن اجتماع الحوار العسكري رفيع المستوى بين مصر وتركيا ليس مجرد لقاء بين رئيسي أركان، بل يمثل مؤشراً على تحول استراتيجي في رؤية البلدين لمستقبل المنطقة. وفي ظل إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، تبدو القاهرة وأنقرة وكأنهما اختارتا استبدال منطق المنافسة بمنطق إدارة المصالح، وهو تحول قد ينعكس ليس فقط على العلاقات الثنائية، بل على مجمل التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
باعتقادي أن البلدين يتجهان إلى شراكة أكبر على المستوى الثنائي ، وعلى المستوى الإقليمي والدولي ، باتجاه منظومة أو مظلة أمنية إقليمية ،تضم دولا عربية وخليجية وإسلامية ،قد تكون نواتها القاهرة وأنقرة ، بالإضافة إلى السعودية وباكستان.
وعلى الرغم من أن خروج الدول الخليجية من مظلة الأمن الأمريكي باتجاه رغبة مصرية تركية باكستانية ، في هذا الشأن، قد يعزز فرص تأسيس هذا التحالف، مالم تخلق واشنطن وتل أبيب مسببات الإجهاض وقتله، كما حدث مرارا في إفشال تشكيل قوة عربية مشتركة، وكانت أذرع الإجهاض عربية .









