مقالات الرأى

دكتور طارق هلال يكتب: القوة الناعمة … لماذا تنفق الدول المليارات على الفن والثقافة بينما يظن البعض أنها رفاهية

هل تستطيع كلمة أو فيلم أو كتاب أن يفتح أبواباً تعجز عنها الجيوش؟ وهل يمكن لأغنية أن تحقق ما لا تحققه دبابة؟ في عالم اليوم لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم القوات العسكرية أو قوة الاقتصاد، بل أصبحت هناك قوة أخرى أكثر هدوءاً وتأثيراً، تتسلل إلى العقول قبل الحدود، وتكسب القلوب قبل المعارك، إنها “القوة الناعمة”، السلاح الذي تعيد به الدول تشكيل صورتها وصناعة نفوذها وتحقيق مصالحها دون إكراه أو صدام.
ويشير مفهوم القوة الناعمة إلى قدرة الدولة على التأثير في الآخرين عبر الجاذبية والإقناع بدلاً من الإكراه والضغط. وهي تعتمد على الثقافة والفنون والتعليم والإعلام والدبلوماسية والقيم الحضارية، بما يجعل الشعوب تتفاعل مع الدولة وتتبنى صورتها وأفكارها طواعية، لتصبح أداة نفوذ طويلة الأمد تتجاوز حدود القوة العسكرية والاقتصادية.

الفن… سفير لا يحتاج إلى تأشيرة
كم من دولة عرفها العالم من خلال فيلم أو مسلسل أو أغنية أكثر مما عرفها من خلال نشرات الأخبار؟ الفن أحد أهم أدوات القوة الناعمة؛ فهو ينقل صورة المجتمع وثقافته وقيمه إلى العالم. ولذلك استثمرت دول كثيرة مليارات الدولارات في صناعة السينما والموسيقى والإنتاج الثقافي لأنها تدرك أن المشاهد الذي يتأثر بفيلم اليوم قد يصبح سائحاً أو مستثمراً أو حتى داعماً لقضايا تلك الدولة غداً. ولعل هوليوود كانت لعقود طويلة أحد أهم أسلحة النفوذ الأمريكي حول العالم، حيث قدمت نمط الحياة الأمريكي للعالم بأسره بطريقة جعلت الملايين يتفاعلون معه ويتبنون الكثير من قيمه وأفكاره.

الثقافة… الجسر الذي يربط الشعوب
الثقافة ليست مجرد كتب ومتاحف ومهرجانات، بل هي هوية أمة ورسالتها إلى العالم. فعندما تنجح دولة في تصدير ثقافتها ولغتها وتراثها، فإنها تضمن حضوراً دائمًا في الوعي العالمي. ولهذا أصبحت المراكز الثقافية الدولية والجامعات وبرامج التبادل العلمي أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن السفارات. فكل طالب أجنبي يدرس في دولة ما قد يتحول مستقبلاً إلى سفير غير رسمي لها في بلده.

الدبلوماسية… قوة الحوار بدلا ًمن الصدام
في عالم يموج بالأزمات والصراعات، أصبحت الدبلوماسية الذكية أحد أبرز أوجه القوة الناعمة. فالكلمة الحكيمة قد تمنع حرباً، والحوار قد يحقق ما تعجز عنه القوة العسكرية. لذلك تحرص الدول المؤثرة على بناء صورة دولية قائمة على المصداقية والاحترام والقدرة على الوساطة وحل النزاعات. إن الدول التي يثق بها العالم تكتسب نفوذاً يتجاوز حدود قدراتها المادية.

الإعلام والكلمة… معركة العقول في العصر المعاصر
لم تعد المعارك تخاض فقط في الميدان، بل على الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. فخبر واحد قد يغير اتجاه الرأي العام، وصورة واحدة قد تصنع تعاطفاً عالمياً، وكلمة مدروسة قد ترفع مكانة دولة أو تضر بمصالحها، ولهذا أصبحت صناعة المحتوى والإعلام الاحترافي وإدارة الصورة الذهنية للدول جزءاً أساسياً من الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.

نماذج عالمية وإقليمية تؤكد أن القوة الناعمة ليست رفاهية
لم تعد القوة الناعمة مفهوماً نظرياً، بل أصبحت أداة استراتيجية تستثمر فيها الدول مليارات الدولارات سنوياً لتعزيز نفوذها ومكانتها الدولية. ففي الولايات المتحدة لعبت هوليوود دوراً محورياً في نشر الثقافة الأمريكية عالمياً، بينما نجحت الصين في توظيف حضارتها العريقة ولغتها وثقافتها ومبادراتها الدولية مثل “الحزام والطريق” لتعزيز حضورها وتأثيرها العالمي. أما تركيا فقد استخدمت الدراما التلفزيونية لتعزيز صورتها وجذب السياحة، في حين قدمت كوريا الجنوبية نموذجاً استثنائياً عبر الموسيقى الكورية والدراما والأفلام التي تحولت إلى أدوات تأثير عالمية دعمت الاقتصاد والصناعة والسياحة. كما نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء صورة ذهنية حديثة من خلال الفعاليات الدولية الكبرى ومبادرات التسامح والتعايش، لتصبح مركزاً عالمياً للأعمال والثقافة والابتكار. وتؤكد هذه التجارب أن الاستثمار في الثقافة والفنون والتعليم والإعلام ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل استثمار استراتيجي طويل الأجل في النفوذ والمكانة الدولية.

مصر… رصيد حضاري وثقافي يصنع النفوذ
تمتلك مصر رصيداً هائلاً من القوة الناعمة ربما يفوق كثيراً من الدول. فالتاريخ والحضارة والفن والأدب والأزهر الشريف والكنيسة المصرية والسينما والموسيقى والإعلام والثقافة المصرية كلها عناصر صنعت لمصر مكانة خاصة في الوجدان العربي والإفريقي والدولي، وعلى مدار عقود كانت الأغنية المصرية والدراما المصرية والكتاب المصري والمعلم المصري سفراء لمصر في كل مكان.
وتؤكد مؤشرات القوة الناعمة الدولية أن مصر لا تزال تحتفظ بمكانة متقدمة عربياً وإفريقياً بفضل رصيدها الحضاري والثقافي وتأثيرها التاريخي الممتد في محيطها الإقليمي. إن الاستثمار في القوة الناعمة ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة استراتيجية تعزز مكانة الدولة وتدعم اقتصادها وتجذب السياحة والاستثمار وتحصن الهوية الوطنية.

وقد يتساءل البعض: ما أهمية الإنفاق على الثقافة والفنون والتعليم بينما تواجه الدول تحديات اقتصادية ومعيشية؟ والحقيقة أن القوة الناعمة ليست بديلاً عن التنمية أو الاقتصاد، بل أحد أدوات دعمهما. فالسياحة والثقافة والصناعات الإبداعية والإعلام والتعليم أصبحت قطاعات اقتصادية تدر مليارات الدولارات وتوفر فرص العمل وتعزز صورة الدولة وقدرتها على جذب الاستثمار. ولهذا تنظر الدول المتقدمة إلى القوة الناعمة باعتبارها استثماراً في المستقبل لا إنفاقاً على الرفاهية.

وفي النهاية: قد تستطيع الجيوش حماية الحدود، وقد تبني الأموال المشروعات، لكن النفوذ الحقيقي لا يفرض بالقوة وحدها. ففي عالم تتنافس فيه الدول على كسب العقول قبل السيطرة على الأرض، أصبحت الثقافة والفن والتعليم والإعلام جزءاً من منظومة الأمن القومي الشامل. فالدولة التي تنجح في تقديم روايتها للعالم، وإبراز قيمها وإنجازاتها، تمتلك قدرة أكبر على كسب التأييد وجذب الاستثمار والسياحة والشراكات الدولية. وربما تستطيع الدبابة أن تعبر الحدود، لكن الأغنية والفكرة والكتاب والفيلم هي القادرة على البقاء لعقود طويلة بعد أن يصمت صوت المدافع. ولهذا تنفق الدول المليارات على القوة الناعمة؛ لأنها تدرك أن النفوذ الذي يبنى في العقول ويستقر في القلوب هو النفوذ الأكثر دواماً وتأثيراً في صناعة المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى