حازم البهواشي يكتب: كشف مستعجل!!

أحسَبُ أن بِدعةَ (الكشف المستعجل) لا وجودَ لها إلا في مصر؛ فكيف يكون معيارُ دخول المريض للطبيب هو ما يملكه من مال؟! وإبان عملي بإذاعة ( UAQ FM ) بدولة الإمارات، سألتُ أحدَ ضيوفي على الهواء _ متأثرًا بما أعرفه في مصر _ عن وجود (كشف مستعجل) يُمَكِّنُ المريض من الدخول إلى الطبيب قبل موعده!! فاستغربَ الضيفُ الفكرة، وقال لي: (كِيف يَعْني)؟!! هذا أمرٌ غيرُ أخلاقي!!
مَن يلجأ لهذا من المرضى معذور، ولكن، هل هناك عذرٌ للطبيب؟! لن أجيب على هذا السؤال؛ إذ ربما يكون هناك _ صدقًا _ ما لا أعرفه!! لكني أترك الإجابةَ لجموع الأطباء وللأساتذة الذين يُدَرِّسُون مادةَ (أخلاقيات مهنة الطب).
ويَظهرُ للعِيان مغالاةُ بعض الأطباء في مقابل الكشف، ولعلي لا أحكمُ أيضًا على ما يطلبه ويُحدده الطبيبُ لذلك، فالعِلم والتعب والسهر والمهارة وكلُّ ما اكتسبه، فضلًا عن ارتفاع ثمن الأجهزة الطبية، يجعله يُحدد ما يريد، والمريض له الحقُّ أن يذهب لهذا الطبيبِ أو ذاك، غيرَ أني أعارض استغلالَ المريضِ _ إن حدث _، وهناك صور كثيرة لهذا الاستغلال ربما تحتاج لمقال آخر، منها _ على سبيل المثال لا الحصر _ كتابةُ أدوية بالنظر إلى ما ستمنحني إياه شركاتُ الأدوية وتُقدمه إليّ من مميزات!!
وفي معرِض حديثي هذا، أود أن أشيرَ إلى واقعةٍ حدثت بالفعل وكنتُ طرفًا فيها، بطلُ الواقعة هو الساحر المصري الجراح العالمي الدكتور “كريم أبو المجد”، المتخصص في زراعة الأمعاء، أستاذ ورئيس قسم الجراحات الدقيقة في مركز زراعة الأعضاء _ كليفلاند كلينك الأمريكي. الساحر المصري _ ومنذ نحو عشر سنوات _ تنازل عن أتعاب جراحةٍ قام بها في مستشفى خاص بعد أن هاتفتُه _ على غيرِ معرفةٍ أو صِلةٍ بيننا _ عن طريق الزميلتين العزيزتين “عُلا بكر” و “سارة عبد الباري” المذيعتين براديو مصر، إذ كانا في مؤتمر يحضره الساحر، وصادف أن كان على نفس طاولة العَشاء مع الزميلة “عُلا بكر”، التي اتصلتْ بي على الفور، وحدَّثَتْه عن الحالة، ثم أعطتْهُ التليفون لأُحدِّثَه عن تفاصيلها!!
لم يَبْدُ من حديثه أنه سيفعل شيئًا؛ ربما لأنه تعوَّدَ أنَّ وقتَ الراحة لا مجالَ فيه للحديث عن العمل، أو ربما لأنه يقوم بعددٍ من هذه الجراحات الدقيقة مجانًا في بعض المستشفيات الحكومية، فلماذا تدخل المريضةُ مستشفى خاصًّا ثم تطلب إعفاءً؟!! ولديه كل الحق، لكنا أخذنا بالأسباب، وكان اللهُ وكيلَنا، ويُفاجأ أهل الشابة المريضة بأن الدكتور “كريم أبو المجد” تنازل عن أتعابه في هذه الجراحة الدقيقة بالكامل (والتي تُجرى في مستشفى خاص كما ذكرتُ)، وكانت تبلغ وقتَها مائةً وخمسين ألف جنيه!! أثبت “كريم أبو المجد” أنه ساحرٌ في أخلاقِه قبل أن يكونَ ساحرًا في مهاراتِه!!
أَذْكُرُ هذه الحكاية لأقولَ لكل طبيب من باب التذكِرة (وكثيرون منهم يُقدرون حالَ المرضى لا شك): رفقًا بالمريضِ وأهلِه ما استطعتَ؛ فإنه يأتيك وهو في أضعفِ حالاتِه، ويستسلم بين يديك خاضعًا مطيعًا، فابتغِ إلى ذي العرش سبيلًا بالرفق والرحمة، حتى لا يأتيَ يومٌ _ كما يتندر البعض ويسخر _ يَصْدُقُ فيه قولُ القائل: (اللي عاوز يكشف يعمل جمعية أو ياخد قرض ويتحبس ويخلص)!!
لستُ أُنكِرُ دورَ الحكومة في هذا المجال أيضًا، لكنه دورٌ لا ينتهي، ولا يمكنُ أن يتوقفَ، أو يكتفيَ منه الناسُ يومًا ما، ولعلَّ مشروعَ (التأمين الصحي الشامل) خطوةٌ رائعةٌ في طريق الإصلاح، أرجو أن تُستكملَ لتعُمَّ أرجاءَ مصرَ في وقتٍ أقربَ مما خُطِّطَ لها.










