مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: عمر افتراضي

في السوق العمر الافتراضي للسلعة أو المنتج يعتمد في الغالب على خصائصها الطبيعية لو كانت قابلة للأكل ، أو جودة وكفاءة المنتج لو كان جهازًا أو آلة . لكن في كل الأحوال لكل شيء في العالم المادي عمر افتراضي ، قد يزيد أو ينقص بسبب طبيعة الاستهلاك ، غير أنه لن يبتعد كثيرًا عن حدود العمر الافتراضي المحدد سلفًا.

زمان في إعلانات الثمانينيات والتسعينيات كنا نسمع جملة شهيرة وهي :(معك مدى الحياة) ، وطبعا كان الهدف بث الثقة في قدرة المنتج على الصمود عبر تصاريف الزمن ، لكن لما اضطر المنتجون للالتزام بالمصداقية في عصر اشتراطات الجودة تهاوت هذه الجملة ، وأمسى العمر الافتراضي لا يتجاوز الخمس سنوات على أقصى تقدير ، وقبلها لا تتجاوز فترة الضمان السنة ، فالضامن هو الله وبه نكتفي .

وكما هي الحياة دوما ذات شقين ، مادي ومعنوي ، أميل دوما للتفكير في العلاقة الخفية بين الجانبين على أرض الواقع ، لتنتقل دفة الحديث هنا للإجابة عن سؤال مهم ألا وهو : هل للعلاقات الإنسانية عمر افتراضي ؟ وكيف يتم تحديده ؟ وهل يعتمد على التربية والنشأة وشخصية طرفي العلاقة ؟ أم على البيئة التي تنمو في جنباتها هذه العلاقة ؟

ويستمر تدفق الأسئلة في ذهني حتى أصل إلى تأثير العوامل الخارجية على العلاقات ودورها في تسريع الوصول إلى النهايات ؟ أم كل علاقة تنمو في داخلها بذور موتها ؟ للأسف في مجال النفس البشرية يصعب التعميم ، لكن من وجهة نظر علم النفس، لا يُقاس “العمر الافتراضي” بالسنوات، بل بالمشاعر والأدوار ، حيث يعتقد بعض علماء النفس (خاصة في المدرسة التحليلية والوجودية) أن بعض العلاقات لها “مهمة محددة” في حياتنا ؛ مثل العلاقات التي تأتي لتعلمنا دروساً عن أنفسنا، أو لتدعمنا في مرحلة انتقالية (مثل علاقات الجامعة أو بدايات العمل)، وبمجرد انتهاء “الدرس” أو نضوج الشخصين تصل العلاقة لنهايتها الطبيعية، هنا انتهاء العلاقة لا يُسمى “فشلاً”، بل يُسمى “اكتمالاً”.

ويشير علماء النفس إلى أن العلاقات طويلة الأجل تمر بمنعطفات خطرة في مراحل معينة ، غالبا بعد مرور ( ١٢،٧،٣)سنة من عمر العلاقة ، في هذه الفترات، يقل “هرمون الدوبامين” المرتبط بالإثارة، وتبدأ العيوب في الظهور بوضوح، فإذا لم يتطور الحب من “شغف البدايات” إلى “المودة والرحمة” فإن العلاقة تنتهي بيولوجياً ونفسياً في هذه المرحلة.

وهنا يحضرني وصف بعض أساتذة علم النفس للعلاقات الإنسانية بالحسابات البنكية ، طالما هناك تغذية للرصيد من حين لآخر يستمر الحساب مفتوحًا ومنتعشا ، لكن حال بقاء الرصيد في الحساب بالسالب لفترات طويلة ، فلابد من وقت سيغلق فيه الحساب ويتم تسديد المديونية ، وهنا حذر المتخصصون من العلاقات الميتة التي تستمر لأسباب خارجية ك ( الأطفال ، الخوف من الناس ، أزمة مالية) لأنها تتحول من كونها علاقة إنسانية إلى أداة للتعذيب .

زر الذهاب إلى الأعلى