مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: أنعِمْ وأكرِمْ بالإنسانية!!

(الإنسانية رتبةٌ لا يصل إليها كلُّ البشر)، قولٌ مأثور يعني أن كونَك مِن بني آدم، لا يَضمن لك أن تتصفَ بصفاتِ الإنسانيةِ الراقية، وهناك عبارةٌ للشاعر الفارسي “سعدي الشيرازي” (عاش ومات في القرن السابع الهجري) يقول فيها: “البشرُ أعضاءٌ في كِيانٍ واحد، خُلِقُوا من جَوْهَرٍ واحدٍ ورُوحٍ واحِدة، إذا ابتُلِيَ عضوٌ بالألم ستبقَى الأعضاءُ الأخرى مضطربة. إن لم تتعاطفْ مع أَلَمِ الإنسان فلن تستطيعَ الاحتفاظَ بِاسْمِ الإنسان”.

كانت إنسانيةُ الغرب تُبهرنا، إلى أن اكتشفنا كذِبَها، وازدواجيةَ معاييرِها واختلالَها، فداخلَ حدودِهم هناك إنسانيةٌ في التعامل حتى مع الحيوانات، وخارجَ حدودِهم لا مجالَ للإنسانيةِ حتى مع البشر!! حقوقُ الحيوان مُلزِمةٌ بالداخل، وحقوقُ الإنسان لا وجودَ لها بالخارج!! وما مذابحُ إخوانِنا في فلسطينَ ولبنانَ عنَّا ببعيد، وما الإبادةُ الجماعيةُ في “سربرنيتسا” حيث أَوْدَتِ الحربُ التي أعقبتْ تفككَ يوغوسلافيا السابقة بحياةِ أكثرَ من مائةِ ألف شخص في البوسنة والهرسك بين عامي (1992م و 1995م)، معظمهم من المسلمين البوسنيين، وشَرَّدَت أكثرَ من مليوني شخصٍ آخرين، أقول: ما هذه الفظائعُ أيضًا عنا ببعيد!! إنها إذًا إنسانيّةٌ مُزيفة تُعبر عن الإفلاس الأخلاقي!!

الغربُ الذي يُحدثنا عن الإنسانية ذكرني بالعُمدة الظالم “عِتمان” الفنان العبقري “صلاح منصور” (1923م _ 1979م) في فيلم “الزوجة الثانية” (عُرِض عام 1967م _ إخراج: صلاح أبو سيف _ تأليف: أحمد رشدي صالح _ سيناريو وحوار: محمد مصطفى سامي) إذ يأكل أموالَ الناس بالباطل، ولا ترتعدُ فرائصُه عند التعدي على حقوق الغير، ومع ذلك ترى البِطانةَ مِن حولِه تُرددُ جملتَها الشهيرة: (يا سلام ع الإنسانية، يا سلام ع الحِنِّيَّة)!! ويقفُ المقهورُ مشدُوهًا، إذا كانت هذه هي الإنسانية والحِنِّيَّة، فكيف تكون القسوةُ والحيوانيَّة؟! ويُردِّدُ هذا المقهور وهو يَضْرِبُ رأسَه بيدَيْه: (أنعِمْ وأكرِمْ بالإنسانية)!!

أيُّ إنسانيةٍ تلك التي تقتلُ الأبرياءَ، وتدوسُ الأرواحَ ولا تألَم؟! وهل مَن يفعلُ بالعالَم كلَّ هذه الأفاعيل يُمكن أن نَعتبرَه من النُّخَب؟! أيُّ نُخَبٍ تلك التي تُحاط حياتُها بالجرائمِ المُخجِلة والفضائحِ والتجاوزات؟! هل بعدَ فضائح “إبستين” يُمكننا أن نُصدِّقَ أن مَن يَدْهَسُ الطفولةَ سيَحمي حقوقها؟! وأن مَن ينتهكُ الإنسانيةَ في الظلام سيَحميها في النور؟!

من أروعِ القصائدِ العالِقةِ بذِهني قصيدةٌ للشاعر “محمد مصطفى حمام” (فارسكور 1904م _ الكويت 1964م) بعنوان (علمتني الحياة)، ومن بديع ما جاء بها قولُ الشاعر:
ونشيدُ السلامِ يَتْلُوه سفاحون / سَنُّوا الخرابَ والتقتيلا
صورٌ ما سرحتُ بالعَيْنِ فيها / وبفِكري إلا خَشِيتُ الذهولا !!

مَن يُنظَرُ إليهم على أنهم قادةُ العالَم ورموزُه الذين يَمنحون ويَمنعون، ويُحيون ويُميتون، ليسوا إلا صورًا مُشوهةً ظهرتْ على السطح حين تخلَّى أصحابُ الإنسانيةِ الحقيقيون عن دورهم، وانتظروا معجزةَ السماء للخلاص من الذُّلِّ والهوان، مُتناسين أنه حتى في المعجزات لا بد مِن عَمَل؛ ألم يقل سبحانه لسيدنا “موسى” _ عليه السلام _: “أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ” (الشعراء _ 63) وقال لسيدنا “نوح” _ عليه السلام _: “أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ” (المؤمنون _ 27)؟!

إذا تكاسلتَ عن أداءِ دورِك، فلا تلومَنَّ غيرَك على أنه قد قامَ بدورِك، وكما يقولُ الشاعر: وَمَنْ يَثْنِي الأَصَاغِرَ عَنْ مُرَادٍ / وَقَدْ جَلَسَ الأَكَابِرُ فِي الزَّوَايَا؟!

زر الذهاب إلى الأعلى