حازم البهواشي يكتب: يا جدي: كان يجب أن تموت!!

حكى لي أبي أن جدي _ رحمهما الله _ المولود في (26 من أبريل عام 1903م) كان يقول: ( المليون ده اسم، هو فيه حد معاه مليون )؟!! اشترى جدي قيراط الأرض المباني عام (1955م) بسعر (37) جنيهًا، ما يعني أن المليون يشتري أكثر من (27) ألف قيراط أي نحو (1126) فدانًا!! كما أنه اشترى أرضًا أخرى عام (1965م) بسعر (25) جنيهًا للقيراط (القيراط يساوي 175مترًا)!! لذلك كان يجب أن يقول: إن المليون مجرد اسم لتكملة أسماء الأعداد!!
وفي وصيته لنا ترك أبي بعض الإرشادات منها أن سعر متر الأرض في شارع الهرم عام (1950م) كان يبلغ خمسةً وعشرين قرشًا!! ولعلنا نتذكر فيلم المليونير لإسماعيل ياسين (عُرِضَ عام 1950م _ قصة وسيناريو وحوار: مأمون الشناوي_ سيناريو وحوار: أبو السعود الإبياري _ إخراج: حلمي رفلة)، الفيلم الذي يتذكر كل من يعرفه كلمة (جزر)!! هناك مشهد لا يُنسى حينما التقى المليونير “عاصم الإسترليني” بالمونولوجيست الفقير “جميز” والشخصيتان قام “إسماعيل ياسين” بأداء دوريهما، سأل جميز المليونيرَ عن اسمه، فردَّ: عاصم الإسترليني،
جميز: هو أنت اللي حصل لك هبوط اليومين اللي فاتوا!!
المليونير: لأ، دا الجنيه الإسترليني مش أنا، أنا اسمي عاصم الإسترليني نسبةً لعائلة.
جميز: تشرفنا يا افندم،
المليونير: وأنت بقى، اسمك الكامل إيه؟
جميز: جميز (ويضحك، ثم يُكمل) جميز دولار!!
المليونير: دولار!! لقب عيلتك دولار؟!
جميز: لأ، دا لقب ماهيتي، أنا باخد وان دولار في اليوم، ريال!! (والريال المصري لمن لا يعرفه من الأجيال الحديثة يساوي عشرين قرشًا، بما يعني أن الجنيه المصري الذي هو مائة قرش كان يساوي خمسة ريالات وبالتالي خمسة دولارات)!!
على أنه ينبغي أن نعترف أن القرش كان عزيزًا ولا يملكه كثيرون، وأن الارتفاع في الأسعار مستمر من عَقدٍ لعَقد ومن سنةٍ لأخرى، وأنه يزداد وتزداد وطأته على الناس مع قلة الإنتاج وزيادة الاستهلاك وزيادة الاستيراد، فضلًا عن الظروف التي تمر بها البلاد والعالم مثل الحروب والأوبئة.
طالعتُ مثلًا إعلانًا لمحل ذهب يرجع لفترة الخمسينيات يعلن أن سعر جنيه الملك (525) قرشًا، ما يعني أن الجرام عيار (21) يبلغ سعره بين (65 و 66) قرشًا !! وقد وصل حين تزوج أبي عام (1968م) لنحو ثمانين قرشًا!!
فهل كان يمكن لأجدادنا أن يظلوا أحياءً إلى الآن في ظل هذه الارتفاعات المستمرة في الأسعار؟! هل من اشترى خروفًا بثلاثة جنيهات يمكنه أن يتخيل في حياته أن المبلغ الذي اشترى به الخروف سيأتي يومٌ لا يشتري فيه بيضة؟! الموت رحمة، وقد رحم الله أجدادَنا.










