“من النيل إلى الميكونغ: كيف تبني مصر وكمبوديا تحالفًا حضاريًا في 2026” يتجاوز العصور نحو آفاق مستقبلية
كتبت: فاطمة بدوي

في قلب آسيا الجنوبية الشرقية، حيث تتدفق مياه نهر الميكونغ الهادئ، تقع كمبوديا، البلد الذي يعود تاريخه إلى حضارة الخمير العريقة. وعلى ضفاف النيل الأبدي، تتراءى مصر، أم الحضارات. رغم البعد الجغرافي الشاسع، تربط هاتين الدولتين علاقات دبلوماسية متميزة تعود جذورها إلى ستينيات القرن الماضي، وتتزايد قوتها في ظل التحديات العالمية المعاصرة. هذه العلاقات ليست مجرد بروتوكولات رسمية، بل شراكة استراتيجية تشمل الاقتصاد والثقافة والسياحة، مما يجعلها نموذجًا للتعاون بين قارتي آسيا وأفريقيا.
بدأت العلاقات الرسمية بين مصر وكمبوديا في عام 1960، عندما أقامت كمبوديا سفارتها في القاهرة، تلتها سفارة مصر في بنوم بنه بعد عامين. كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رائدًا في هذا النهج، حيث دعا إلى حركة عدم الانحياز التي جمعت قادة العالم الثالث، بما في ذلك الملك نورودوم سيهانوق ملك كمبوديا آنذاك. في تلك الحقبة، كانت مصر مركزًا للدبلوماسية العربية-الآسيوية، وكمبوديا شريكًا في مواجهة الاستعمار الغربي.
اليوم، يعكس ذلك التراث زيارات متبادلة عالية المستوى؛ ففي 2019، زار رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيت القاهرة، وفي 2023، استضاف الرئيس عبد الفتاح السيسي وفودًا كمبودية لتعزيز الشراكة.
اقتصاديًا، شهدت العلاقات دفعة قوية منذ توقيع مذكرة تفاهم تجارية في 2018، أسفرت عن تبادل تجاري بلغ 150 مليون دولار في 2024، مقارنة بـ50 مليون دولار قبل عقد. تركز التبادلات على المنتجات الزراعية المصرية مثل الأرز والفواكه الاستوائية الكمبودية، بالإضافة إلى المنسوجات والأدوية.
كمبوديا، التي تعتمد على الزراعة بنسبة 25% من ناتجها المحلي، تستورد تقنيات الري المصرية المتقدمة، مستفيدة من خبرة الدلتا. أما مصر، فتستورد الأرز الكمبودي لتلبية احتياجاتها الغذائية. في إطار مبادرة “حزام واحد طريق واحد” الصينية، تتعاون البلدان في مشاريع بنية تحتية، مثل تطوير موانئ الإسكندرية لاستقبال البضائع الكمبودية، ودعم مصر لمشاريع السكك الحديدية في كمبوديا عبر شركات مصرية متخصصة.
الثقافة تمثل عمودًا فقريًا لهذه العلاقات. كلا البلدين يمتلكان تراثًا أثريًا هائلًا: الأهرامات والأبوابدة في مصر، وأنغكور وات في كمبوديا، أكبر مجمع معابد هندوسية-بودية في العالم. في 2022، وقعت اتفاقية تعاون ثقافي تتيح تبادل الخبرات الأثرية، حيث درب خبراء مصريون حفارين كمبوديين في تقنيات الحفظ.
كما أقيمت معارض مشتركة في متحف القاهرة الوطني ومتحف بنوم بنه الوطني، جذبًا آلاف الزوار. السياحة تشهد نموًا ملحوظًا؛ في 2025، زار 25 ألف سائح كمبودي مصر، بزيادة 40% عن العام السابق، بفضل رحلات جوية مباشرة عبر شركة مصر للطيران.
عكسيًا، يزور آلاف المصريين أنغكور، مستمتعين بتشابه الروح الروحانية بين النيل والميكونغ.
دبلوماسيًا، تتفق مصر وكمبوديا على قضايا دولية رئيسية، مثل دعم حل الدولتين في الشرق الأوسط، وتعزيز دور آسيا في مجلس الأمن. خلال قمة آسيا-أفريقيا في جاكرتا 2024، أكد الجانبان التزامهما بالتنمية المستدامة. كما تعاونتا في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، عبر تبادل معلومات استخباراتية. في ظل التوترات الإقليمية، مثل نزاعات بحر الصين الجنوبي، تقدم مصر دورًا وساطيًا محايدًا، مستفيدة من موقعها في الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي.
التحديات لا تزال قائمة، مثل الحاجة إلى زيادة الاستثمارات المباشرة – حيث يصل الاستثمار الكمبودي في مصر إلى 20 مليون دولار فقط – والتغلب على العوائق اللوجستية. ومع ذلك، يُتوقع أن يصل حجم التجارة إلى 300 مليون دولار بحلول 2030، مدعومًا باتفاقيات حرية تجارة جديدة.
في الختام، علاقات مصر وكمبوديا ليست مجرد صفحات في كتب الدبلوماسية، بل جسور حية تربط حضارتين خالدتين. مع تزايد التعاون، يمكن لهذه الشراكة أن تكون نموذجًا للعالم النامي، محولة التحديات إلى فرص.









