مديحه عاشور تكتب : “وننسى اللى كان”دراما ترسخ حضورها فى السباق الرمضاني

في تجربة درامية لافتة تضاف إلى رصيدها الحافل، تعود ياسمين عبد العزيز لتؤكد أنها ممثلة من طراز خاص، تمتلك أدواتها بوعي وثقة. فمنذ المشهد الأول، تبدو ممسكة بخيوط الشخصية، عارفة بتفاصيلها الدقيقة، وقادرة على قيادة المتلقي إلى عالمها بموهبة واقتدار.
في مسلسل وننسى اللي كان، الذي راهن على عنصر التشويق وتصاعد الصراع النفسي، تبرز مساحة اختبار حقيقية لقدرات بطلة تعرف جيدًا كيف تستثمر خبرتها الطويلة. هنا لا تقدم دورًا عابرًا، بل شخصية مركبة، متداخلة المشاعر، تُعد من أكثر أدوارها عمقًا ونضجًا في السنوات الأخيرة.
تجسد ياسمين شخصية “جليلة”؛ نجمة ناجحة في عالمها المهني، لكنها مهزومة في تفاصيل حياتها الخاصة. أم تعاني حرمان ابنتها، أخت مثقلة بخيبات الأقربين، امرأة تطاردها أزمات نفسية كادت تعصف باستقرارها، ومع ذلك تظل عنيدة، صلبة، تقاوم ولا تنكسر. هذه التناقضات جميعها تنساب عبر أدائها بسلاسة وصدق، فنرى الثبات على السطح، ونلمح في العمق وجعًا دفينًا يتسلل عبر نظرة أو صمت أو انفعال مفاجئ.
وعلى مستوى الشراكات التمثيلية، يحضر كريم فهمي بصورة “الفارس الشهم”؛ ابن البلد الداعم، الحبيب والسند. أداء هادئ، محسوب، يخلو من الانفعال الزائد إلا حين تفرضه اللحظة الدرامية، ما يجعل المشاهد يميل إليه ويتبنى موقفه دون تردد.
أما خالد سرحان فيقدم شخصية يغلفها الشر من الملامح إلى نبرة الصوت، أداء متقن يجعلك تنفر منه كما ينبغي أن تنفر من خصم حقيقي. وفي المقابل، تقدم شيرين رضا نموذجًا للنجمة التي تتآكلها الغيرة والكراهية؛ حقد مكبوت يطل من تفاصيل الوجه قبل الكلمات.
نص العمل الذي كتبه عمرو محمود ياسين يواصل ترسيخ حضوره في مساحة الدراما النفسية والاجتماعية، ببناء محكم وتصاعد منطقي لا يعتمد على الصدمات المفتعلة، بل على تراكم درامي يمنح كل شخصية دوافعها الإنسانية ومبرراتها المقنعة.
أما الرؤية الإخراجية للمخرج محمد الخبيري فجاءت منسجمة مع روح الحكاية؛ كاميرا تقترب من الوجوه لتلتقط ارتعاشة الشعور، إضاءة تميل إلى العتمة لتعكس صراع الداخل، وإيقاع محسوب يحافظ على توتر المشاهد حتى اللحظة الأخيرة.
ويضيف كل من محمود يس، منة فضالي، محمد لطفي، محمود حافظ، وإيهاب فهمي، وائل عبد العزيز، ويارا قاسم، وباقى أبطال العمل تنوعًا أدائيًا واضحًا، ما بين الحدة والتوتر والانفعال، ليمنحوا المشهد العام ثراءً وتكاملًا.
ومع توالي الحلقات، يترسخ نجاح العمل لا اتكاءً على شعبية أبطاله فحسب، بل نتيجة أداء متقن لشخصيات معقدة، ونص منضبط، ورؤية إخراجية واعية. عمل استطاع أن يصل إلى الجمهور بصدق، فحصد تفاعلًا مستحقًا، مؤكّدًا أن الدراما حين تُصنع بإتقان، تجد طريقها إلى القلوب دون عناء.










