مقالات الرأى

محمد محمود عيسى يكتب : منتدى دافوس ومرحلة جديدة من العلاقات المصرية الأمريكية

0:00

أصبح لقاء فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الأمريكي ترامب خلال منتدى دافوس الاقتصادي يمثل مرحلة جديدة من العلاقات المصرية الأمريكية . مرحلة استطاعت مصر خلالها بثقلها السياسي والإقليمي ودورها المحوري في المنطقة العربية أن تقدم نفسها على أنها أساس بوصلة التغيير والتأثير في المنطقة وأنها القادرة على ضبط الإيقاع السياسي والعسكري في محيطها وأنها أيضا القادرة على حماية قراراتها والدفاع عنها وقبل كل ذلك قدمت مصر نموذجا سياسيا في حماية سيادتها والدفاع عن قرارها وتحمل الكثير من الضغوط السياسية والاقتصادية الدولية الهائلة والتي حاولت بكل قدراتها وتأثيراتها أن تنال من السيادة المصرية أو أن تجبر مصر على قبول التهجير في قضية غزة وتصفية القضية الفلسطينية والدخول إلى سيناء أو حتى المدن المصرية وجعلها وطنا بديلا لأهل غزة وفلسطين ولكن استضدمت كل هذه المحاولات بالمواقف المصرية الصلبة والتي استطاعت وبمهارة سياسية فائقة أن تحول هذه الضغوط السياسية والاقتصادية الصلبة إلى مواقف مرنة قابلة للنقاش والتغيير والتأثير وهو ما يعكس القدرات المصرية الهائلة في إدارة الأزمات والتعامل معها وترويضها بل والاستفادة منها يأتي هذا الانجاز المصري وسط ظروف اقتصادية مصرية صعبة وخانقة مثلت عوامل ضغط إضافية على صانع القرار وكانت في رؤية الأطراف الدولية من الممكن أن تكون من أهم عوامل الضغط والضعف المصري .

  ولا يأتي هذا الدور المصري العظيم من فراغ ولكنه أتى نتيجة مرحلة طويلة من ترتيب الأوراق المصرية بدقة واحترافية متناهية ومرحلة أخرى من الصبر الاستراتيجي العميق ومرحلة أخرى أيضا من الذكاء المصرى الحاد واليقظة المصرية التامة في السير وسط الخيوط الدقيقة والحادة التي تربط بين مصر وقضايا المنطقة العربية وخاصة قضية غزة والتي استطاعت مصر أن تسجل من خلال إدارة هذا الملف المعقد والمركب سجلا حافلا ومبهرا من القدرة على توظيف القوة الشاملة للدولة المصرية في خدمة قضاياها والدفاع عن مقدراتها وحماية سيادتها وأراضيها و من خلال الأداء المتناغم لكل أجهزة الدولة المصرية بداية من مؤسسة الرئاسة ومرورا بوزارة الخارجية وانتهاء بكل الأجهزة السيادية التي كانت فاعلة ومسيطرة وقادرة في إدارة هذه الملفات المعقدة والأهم من كل ذلك القدرة الشاملة على تحقيق الرؤية وتنفيذ الخطة المصرية والخروج من كل هذه الملفات بأقل الخسائر الممكنة .

 ولم تكن قضية غزة هي القضية الوحيدة المعقدة والمتشابكة والتي أظهرت مهارات وقدرات الدولة والأجهزة المصرية ولكن لا يختلف ملف السودان كثيرا عن ملف غزة في تعقيداته وتشابكه وتهديده للأمن القومي المصري ولا ملف ليبيا ولا ملف اليمن ولا ملف سوريا ولا لبنان ولا حتى الخلاف بين المملكة العربية السعودية والامارات العربية ملفات كثيرة متداخلة ومعقدة ونافذة على بعضها ولكن شاءت إرادة الله أن تكون الجغرافيا وأن يكون التاريخ وأن تكون الشخصية المصرية الحضارية الأخلاقية العظيمة هي الحاكمة والفاصلة في وجود مصر في هذا الموقع الجغرافي الذي يربطها بكل هذه المناطق الساخنة وأن تكون مصر وسط هذه المناطق الملتهبة من العالم والتي من الممكن أن تشب فيها الحرائق في أي وقت وتمارس مصر كالعادة دورها المحوري كرجل الإطفاء الذي عليه ان يقوم بإطفاء الحرائق وأيضا يحاول أن يحول هذه الحرائق وهذا الخراب إلى مدن جديدة تمنع الهجرة وتبقى على السكان وتحاول بقدر ما تستطيع أن تبقى القضايا على قيد الحياة

لذلك كان لقاء فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الأمريكي ترامب هو تتويج لهذه المرحلة المهمة من الانجازات المصرية في كل هذه الملفات المعقدة والمتداخلة في بعضها البعض والذي تأكدت معه الإدارة الأمريكية أنه لا أحد في المنطقة قادر على القيام بهذا الدور المؤثر سوى مصر لذلك كانت إشادة الرئيس الأمريكي ترامب بمصر وبفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي محل تقدير من الجميع والكل يعلم تماما مدى صعوبة التعامل مع الرئيس الأمريكي ومدى استهتاره وتعامله الغير لائق مع الكثير من ملوك ورؤساء العالم وكثيرا ما شاهدنا على شاشات التلفاز كثيرا من المعاملة الغير لائقة مع الكثير من قادة العالم ولكن أن يخرج ترامب عن هذه الحالة من الهيجان والإطاحة في كل من يقابله ويتعامل مع الرئيس السيسي بكل هذا الود ويجلس بكل وقار وتقدير واحترام وملتزما بكل القواعد الدبلوماسية والمراسم البرتوكولية في لقائه واجتماعه مع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي فلا شك أن هذا أتي من ترامب بعد تدقيق وفحص ومراقبة فاحصة وشاملة للموقف المصري وتأكده تماما هو وفريقه من  الانجازات العظيمة التي تقدمها الدولة المصرية في إدارة ملفات المنطقة وأن كل ما طرحته الدولة المصرية منذ بداية الأزمة من رؤى ومشروعات سياسية أثبتت الأيام والأحداث مدى صحة ودقة هذه الرؤية المصرية مما أكسب مصر وقائدها هذا القدر العظيم من التقدير والاحترام والإشادة من الرئيس الأمريكي ترامب ولمن لا يعرف الرئيس الأمريكي ترامب فهو دقيق في تعبيراته وأوصافه ويعي تماما ما يقول ويعرف تماما قدر الزعماء ومكانتهم ودورهم السياسي وفريقه يقدم له كل التفاصيل الدقيقة التي توثق وتؤكد رؤيته وتعامله مع زعماء العالم ومن هنا يبني ترامب رؤيته وتقديره وقراراته في إدارة الأزمات كما يبني رؤيته الشخصية وتعامله الفردي والشخصي مع الرئيس أو الشخصية السياسية التي يقابلها أو يلتقي بها والمتأمل لبعض التفاصيل الدقيقة في شخصية الرئيس الأمريكي يجد أنه يحب التعامل مع الزعماء الأقوياء في مواقفهم وقراراتهم ويحترم أصحاب الرؤية الثاقبة والنظرة المستقبلية المبنية على تقدير مواقف صحيحة وواقعية وتملك قدرات شاملة ومؤثرة حقيقية

ولكن بعد هذه المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الأمريكية وإشادة الرئيس الأمريكي ترامب بفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ينبغي البناء على هذه المرحلة الجديدة وتطوير هذه العلاقات ليس على المستوى الخارجي فقط بل ينبغي البناء من الداخل وذلك من خلال إعادة صياغة وهيكلة لكل مفردات وتفاصيل القوة الشاملة المصرية وخاصة كل مفردات وتفاصيل القوة الناعمة المصرية فهي بلا شك كانت وستظل العامل الأساسي والرئيسي في تقديم صورة مصر إلى العالم الخارجي والتي على أساسها يأتي تقدير المواقف المصرية ومن هنا فنحن نتوقع أنه خلال المرحلة القادمة ستكون هناك مرحلة جديدة ومختلفة تماما في تقديم صورة مصرية جديدة ومشرقة تليق بالمواقف المصرية المشرفة والانجازات العظيمة في الملفات الخارجية والتي ستستكملها الدولة المصرية في النهوض بكافة الملفات الداخلية وفي كافة المجالات السياسية والرياضية والتعليمية والإعلامية والفنية والدينية والسلوكية بصورة تعكس مدى رقي وتقدم الدولة المصرية وتعكس أيضا مدى تكامل الشأن الداخلي مع الشان الخارجي بنفس المستوى من الأداء والانجازات

زر الذهاب إلى الأعلى