مقالات الرأى

د. عبد الله الثقافي يكتب : علماء الأديان ومهمة إنقاذ الكوكب

0:00

تُعَدّ الأرضُ حديقةَ العالَم. وجعل الله سبحانه وتعالى خَلْقَه الأفضلَ والأكرمَ سُكّانًا في هذه الأرض، حيث قال سبحانه وتعالى:
﴿وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾. فالإنسانُ موضوعُ الكون، وقد كرّم اللهُ الإنسانَ بمكارمَ كثيرة، ومن أهمها وضعُ العقل في الإنسان؛ فالعقلُ مختصٌّ بالإنسان دون سائر المخلوقات التي لها شعورٌ فقط. والإسلامُ يعتبرُ البشريةَ والإنسانيةَ من مقاصد الشريعة، لأن حفظَ الروح من الكليات الخمس المعتبرة في الشريعة.

ولكن الجوَّ الحاليَّ في العالم قد تغيّر، وبدأ قتلُ الإنسان لأخيه، وبدأ نهبُ المال من الإنسان، ونُصِرَ الظلمُ والفسادُ والمنكراتُ، وانتشرت الكراهيةُ في الخطابات والمعاملات، ووُضِعت التفرقةُ على أساس الاسم واللون والدين؛ ولذلك فُقِدت السلامةُ والطمأنينةُ في أكثر البلاد نظرًا إلى هذه الحالة الأليمة.

وحلًّا لهذه المشكلة المُبكية، قام فضيلةُ الشيخ أبي بكر أحمد، مفتي الديار الهندية، برحلةٍ كبيرة بعنوان «مع البشرية»، وهذه الرحلةُ اكتسبت شهرةً كبيرةً في الهند، حتى غدت المدنُ والقرى والشوارعُ كلُّها مليئةً بهذه الرحلة.
والرحلةُ ليست وليدةَ اليوم للمفتي الهندي، بل جاءت في سياقٍ تاريخيٍّ بالغِ الدلالة.

ففي وقتٍ كانت تشهد فيه منطقةُ كنور اغتيالاتٍ سياسيةً وصراعاتٍ دامية، انطلقت الرحلةُ الأولى من شمال كيرلا إلى جنوبها تحت شعار «لربط القلوب البشرية». يومها رفع الشيخُ صوته عاليًا بأن الوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من الصراع، بل إلى السلام، وأن على الأحزاب السياسية أن تتعايش في أجواءٍ من الوئام والمسؤولية. وكانت تلك الرحلة بحقٍّ صرخةَ وعيٍ أيقظت ضمائرَ السياسيين، وفتحت أعينهم على خطورة الانقسام.

أما الرحلةُ الثانية التي جرت عام 2012، فقد جاءت بهدف إعداد المجتمع للتحولات العالمية الجديدة، مع الحفاظ على علاقةٍ إنسانيةٍ وثيقةٍ مع عامة الناس، وترسيخ روح القرب من همومهم وتطلعاتهم.

واليوم تأتي الرحلةُ الثالثة في لحظةٍ بالغةِ الضرورة، في ظلّ ما تشهده الهند من تحركاتٍ مقلقة تستهدف الأقليات المسلمة والمسيحية. وفي هذا السياق نسمع – وللأسف – تصريحاتٍ صادرةً عن بعض الشخصيات، مثل بي. سي. جورج، وفيلابّلي، وبعض رجال الدين، من شأنها أن تُضعف النسيجَ الاجتماعي وتُهدد المناخَ التعايشي في كيرلا.
وتأتي «رحلة كيرلا» لتؤكد الرسالةَ الكبرى: أن الأديان وُجدت لتوحيد البشر وقيادتهم إلى الخير، لا لزرع الكراهية والانقسام، ولتُثبت أن الدين ليس مرادفًا للطائفية.

وليس موقفُ فضيلة الشيخ ومؤسساته وليدَ اللحظة؛ فخدمةُ الإنسان، بعيدًا عن الدين والطائفة، كانت نهجًا ثابتًا قبل قضية نِمِيشا بريا وبعدها. ولا تُنسى الجهودُ العظيمة التي بذلتها هذه المؤسسات خلال جائحة كورونا، وكذلك في أوقات الفيضانات والكوارث الطبيعية. فقد وصل العاملون في هذه المنظمات إلى الأحياء الفقيرة في شتى أرجاء الهند، حاملين الماءَ والغذاء، وبنَوا المساكنَ للفقراء، وفتحوا أبوابَ التعليم للمحرومين.

وتنتشر مؤسساتُ «مركَز» في كشمير، والبنغال، وغوجارات، وبيهار، وأوتّر براديش، وغيرها. وفي دلهي تعمل هيئةٌ خدميةٌ متخصصةٌ في توزيع الطعام بشكلٍ منتظمٍ على الفقراء. وحتى أولئك الذين هُجّروا قسرًا في كارناتاكا بقراراتٍ حكوميةٍ قاسية، امتدت إليهم أيادي الرحمة والعون من هذه المؤسسات.

ويؤكد فضيلةُ الشيخ من خلال مسيرته أن على العلماء ألا يكتفوا بالمسائل الدينية البحتة، بل يجب أن يتدخلوا – دون تمييزٍ ديني – في القضايا السياسية والاجتماعية، دفاعًا عن الإنسان وكرامته. كما يحرص، مع تلامذته وأتباعه، على صون هوية المجتمع، ونقل رسالة كيرلا القائمة على الأخوّة والتعايش إلى مختلف أنحاء العالم. وقد امتدّ نشاطُ «مركَز» إلى خارج الهند أيضًا.

إنّ التبرعات التي يقدّمها الناس بقلوبٍ مفتوحة هي رأسُ مال هذه الأعمال الإنسانية. ورغم تقدّمه في السن، لم يعرف هذا الرجل العظيم الراحة، بل حوّل حياته إلى عبادةٍ عملية، وجعل من العمل الإنساني رسالته الدائمة. ورسالةُ كيرلا التي يحملها واضحة: يجب على جميع القادة الدينيين أن يوظّفوا الدين لخدمة المجتمع والوطن.

إن اجتماعَ العلماء، ورجال الدين، والكهنة، والقساوسة في صفٍّ واحدٍ كفيلٌ بإنقاذ العالم. ولا مكانَ على هذه الأرض للطائفية أو الإرهاب. ومن الخير للمجتمع أيضًا أن نتساءل بصدق: ألم يحن الوقتُ لنجتمع ونتوحد، بدل أن تُعقد مؤتمراتُ «سمستا» في مناسبتين منفصلتين؟

هذا الشعار، «مع البشرية»، ليس منحصِرًا في الولايات الهندية، بل يمتدّ إلى الآفاق الرحبة؛ ففي زمنٍ بدأ فيه العالمُ الكبير يهيمن على العالم الصغير بالضرب والقتل والنهب والتهجير والإبادة، يتقدّم الإنسانُ تقنيًا كلَّ يومٍ إلى ذُرى التطوّر، لكنه يغفل عن قيمة البشرية وكرامة الإنسان، حتى صار بعضُهم يقتل بعضًا باسم الدين أو المصالح أو الشعارات الزائفة.

وأمام هذه الوحشية المتصاعدة، يرفع مفتي الديار الهندية من الهند هذا الشعار الإنساني الخالد: «مع البشرية». فهو نداءٌ يستمدّ روحه من النصوص القرآنية الجامعة، حيث قال سبحانه وتعالى:
﴿الحمد لله ربّ العالمين﴾، وقال: ﴿أعوذ بربّ الناس * ملك الناس * إله الناس﴾، وقال: ﴿يا أيها الناس﴾، وقال جلّ شأنه: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾.

وتُختتم رحلةُ كيرلا بـ مؤتمر المعراج، الحفل الختامي الرسمي لهذه المسيرة، وذلك في 16 يناير 2026 في ميدان بوثاركاندم – تيروفانانثابورام، ليكون ختامًا روحانيًا ذا دلالةٍ عميقةٍ لهذه الحركة الشعبية التاريخية.
——
عميد كلية أصول الدين – جامعة مركز الثقافة_ الهند

زر الذهاب إلى الأعلى