مقالات الرأى

د.أمانى فاروق تكتب: آية عبد الرحمن .. الذهب الذي لا يصدأ

0:00

ليس كل ما يلمع ذهبًا…
حكمة قديمة، لكنها تزداد صدقًا كلما تقدم بنا الزمن، خصوصًا في عالم أصبح فيه البريق أسرع من الجوهر، والصورة أحيانًا أعلى صوتًا من الحقيقة. لكن وسط هذا الضجيج، تظهر نماذج نادرة تثبت أن هناك ذهبًا حقيقيًا، يلمع بهدوء، ويزداد قيمة مع الوقت، ولا يعرف الصدأ طريقًا إليه.
آية عبد الرحمن واحدة من هذه النماذج.
كان لقائي الأول بها خلال زيارة رسمية إلى استوديو إكسترا نيوز، بصحبة مجموعة من وزراء الإعلام العرب. لقاء عابر في توقيته، لكنه عميق في أثره. وقفت أمامها، ونظرت إليها، وقلت بعفوية خرجت من القلب: «أنا بحبك قوي». لم تكن مجاملة، بل إحساسًا فوريًا بأنني أمام شخصية صادقة، تحمل حضورًا مختلفًا، وملامح إعلامية لا تُصنع، بل تُبنى مع التجربة والوعي.
تكررت اللقاءات، لكن هذه المرة في إطار مهني، حين طلبتُ منها تدريب طلابي في مركز التدريب والتطوير بمدينة الإنتاج الإعلامي على الإعداد والتقديم التلفزيوني، وبخاصة البرامج الإخبارية، لم تكن مجرد مذيعة ناجحة تنقل خبرتها، بل معلمة حقيقية، تؤمن بأن الإعلام رسالة، وأن بناء الإنسان أهم من أي استعراض مهني. كانت دقيقة، صبورة، تحترم عقل المتدرب، وتؤمن بأن النجاح الحقيقي هو الذي يُشارك لا الذي يُحتكر.
ومع الاقتراب الإنساني، بدأت تتكشف الحكاية الأعمق. حكاية فتاة مصرية، وراءها أم عظيمة، صنعت بصبرها وسهرها الأساس الحقيقي لهذا النجاح. أم آمنت، وتعبت، ورافقت ابنتها في مشوار لم يكن سهلًا، خاصة في بداياته داخل ماسبيرو، ذلك المكان الذي لا يمنح فرصه إلا لمن يملك الإصرار والقدرة على الاحتمال. هناك، تشكّلت الملامح الأولى لشخصية إعلامية تعرف قيمة ما تقول، وتدرك خطورة الكلمة قبل بريقها.
ثم جاء التحاقها بالأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، ليضيف بُعدًا جديدًا لتجربتها؛ وعي أعمق بالدولة، وفهم أوسع لمعنى المسؤولية، وإدراك حقيقي لدور الإعلام في بناء الوعي لا هدمه. ومن هنا، لم تعد آية عبد الرحمن مجرد إعلامية ناجحة، بل أصبحت صاحبة تأثير، تعرف أن الظهور ليس غاية، وأن المصداقية هي الذهب الحقيقي.
وجاءت اللحظات الفارقة حين أجرت حوارات متميزة مع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي. لحظات لا يصل إليها إلا من امتلك الثقة، والاتزان، والقدرة على تمثيل الإعلام المصري بصورة تليق بمكانة الدولة واحترام المشاهد.
ومع هذا المشوار، لم تكن آية في حياتي مجرد زميلة أو إعلامية لامعة، بل أصبحت صديقة قريبة بدرجة أخت حقيقية. إنسانة مؤثرة، حاضرة، أعود إليها في قراراتي المصيرية، رغم أنها تصغرني بسنوات، لأن الحكمة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بصفاء العقل وقوة الرؤية.
وكانت فرحتي كبيرة حين قدمت برنامج «دولة التلاوة». برنامج أراه – وبكل صدق – من أعظم ما قُدّم تلفزيونيًا في هذه الحقبة. برنامج أعاد الاعتبار للبرامج التليفزيونية الهادفة وسلط الضوء على فن التلاوة، وقدّم المواهب بوقار واحترام، ورسّخ معنى أن الإعلام يمكن أن يكون رسالة سامية دون صخب. لم تكن آية فيه باحثة عن بريق، بل كانت جزءًا من روح البرنامج، تخدم فكرته، وتحترم قدسيته، وتقدّمه كما يليق به.
وحين جاء خبر حصولها على عضوية مجلس النواب، اعترف أنني شعرت بالقلق في بداية ترشحها. ليس خوفًا عليها، بل خوفًا من ثقل المسؤولية، ومن الجمع بين مسارين كبيرين في توقيت واحد. لكن سرعان ما أدركت أن آية عبد الرحمن لا تُقدم على خطوة إلا بعد وعي عميق. وكما قلت لها دائمًا: أنتِ صوت العقل. اختيارك كان محسوبًا، وقرارك كان نابعًا من إيمان حقيقي بالدور لا بالمكانة.
وجاء التقدير العربي المستحق، بفوزها بلقب أفضل مذيعة عربية في استفتاء الملتقى الإعلامي العربي بالكويت، ليؤكد أن الذهب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى، وأن التأثير الصادق يصل مهما طال الطريق.
آية عبد الرحمن لم تتوقف عند كونها إعلامية ناجحة أو نائبة برلمانية. هي أم لآدم، أم واعية، حاضرة، تربي بالحب والمسؤولية. وهي زوجة راقية للكاتب المحترم الأستاذ شريف أسعد، شراكة إنسانية تقوم على الدعم والاحترام. وهي أيضًا عضو هيئة تدريس بالجامعة، نموذج يُحتذى به لطلابها، تجمع بين العلم والتجربة، وتؤمن بأن التعليم رسالة تُكمل النجاح ولا تُجاوره فقط.
ومن هنا، تصبح آية عبد الرحمن رسالة حيّة لكل فتاة مصرية:
أن الصبر ليس ضعفًا،
وأن الإيمان بالنفس طريق،
وأن النجاح الحقيقي لا يلمع لحظة ثم يخبو،
بل يظل… ذهبًا يلمع، ولن يصدأ أبدًا.
تحية واجبة لنموذج مشرف،
ودعوة صادقة للاستمرار،
لأننا بحاجة إلى أن نسلّط الضوء على هذا الذهب الحقيقي،
كي تعرف فتيات مصر أن القدوة ما زالت موجودة… وتستحق أن تُرى
أكررها … أحبك يا آية ..
—-
مدير مركز التدريب والتطوير بمدينة الإنتاج الإعلامى

زر الذهاب إلى الأعلى