مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: مِش بالفلوس!!

0:00

 

حين يَبلغُ الطفلُ سِنَّ دخول المدرسة، يحتار كثيرٌ من الأهل _ خاصةً ميسوري الحال _ لاختيار مدرسةٍ لابنهم تضمن له مستوى تعليميًّا مرتفعًا وبيئةً آمنةً، وكل امرئٍ على قدر ما يَملِكُ من مال، بل إن كثيرًا من الناس يَضغطون نفقاتِهم ويُحَمِّلون أنفسَهم فوق طاقتِها من أجل الاستثمار في تعليم أولادهم!! ثم نُفاجأ بجرائمَ بشعة في بعض هذه المدارس، جرائمَ تجعلُ الوِلْدَانَ شِيبًا!!

وبناءً عليه، أسرد لكم تفاصيلَ يومٍ دراسي بمدرستنا الابتدائية الحكومية بقريتي (سنباط _ غربية):
كانت مباني مدرستي (الأمريكان) قديمةً قِدَمَ بيتٍ تَشَمُّ فيه عَبَقَ الأصالة وتَشْعُرُ فيه بالراحةِ النفسية التي ربما لا يُوفرُها لك ولا يَضْمَنُها قصر!! كانت الشبابيكُ في معظمها بلا زجاجٍ يمنعُ عنك الهواءَ الباردَ في الشتاء، حتى أن مُدَرِّسِينا كانوا يقولون لنا: (يا ولاد اللي عنده مِشَمَّع في البيت يِجِيبُه نِسِد به الشبابيك، أحسن الشِّتا داخِل، وهترصرصوا من البرد)!!! بالإضافة إلى مساهمتهم في رأب هذا الصدع. ولم يكن بالإمكان أفضلُ مما كان!! هذه هي حال البيت وهذا هو الموجود والمتاح و (الشاطرة تِغْزِلْ بِرِجْل حمار)!!

على أية حال كنا في الصف السادس (69) طالبًا موزعِين على فصلَين، بمتوسط (35) طالبًا في الفصل، ولكن في الشهور الأخيرة يُضَمُّ الفصلان معًا على الدوام؛ فنحن نستعد لامتحان الشهادة الابتدائية!! إنها أول سنة نؤدي فيها الامتحان خارجَ مدرستِنا ويُراقبُ علينا مُدرسون لا نعرفهم وليسوا من بلدتنا!! كنا نبدأ الدراسةَ في السادسة صباحًا، نعم هذا هو موعدُ دخول الفصل!! ويستمر الدرسُ حتى الثامنة إلا الربع موعد (طابور/ تابور) المدرسة، فنتوجه إلى الفناء (الحُوش) لنشهدَ (الطابور/ التابور) ونُحَيِّيَ العَلَم ونرددَ نشيد (بلادي بلادي بلادي لكِ حُبي وفؤادي)، ثم نعود في الثامنة لفصولنا!! ولدينا فُسحتان الأولى (15 أو 20) دقيقة، والثانية ساعة كاملة!! وفي هذه الثانية يذهب البعضُ لبيته ويعود بطعام نأكله معًا، (غِدِّيوه) كما كنا نُسميها من الجُبن القريش أو الجبنة القديمة بالمِش، والعيش الفلاحي المخبوز بالبيت، والفُجل والجرجير وأحيانًا البيض والقِشْدَة (القشطة) و (مِخَلِّل اللِّفت) أو الليمون (الذي كنتُ أعشقه من دار عماشة في البلد، وكان يأتي به الزميلان محمود وعامر عماشة)!! كنا نلعب كرة القدم والكرة الطائرة مع مُدَرِّسِينا، كنا نتوضأ ونُصلي مع مُدَرِّسِينا، كنا نأكل الطعامَ مع مُدَرِّسِينا…. لم تكن مَدرسةً إذن!! كانت بيتًا؛ إذ يشعرُ المُدرسون أن المدرسةَ مِلْكٌ لهم وأننا أبناؤهم!! كنا نعود إلى بيوتنا ثم نعاودُ الذَّهابَ للمدرسةِ ليلًا لاستكمال الدراسة وحلِّ امتحانات جميع المحافظات أكثرَ من مرة!! لم نكن في حاجةٍ إلى المذاكرةِ المنزلية، وكان عددٌ من الأمهات والآباء ليسوا على قَدْرٍ من التعليم يؤهلُهم لمتابعةِ أولادهم!! وحين عودتِنا إلى منازلِنا ليلًا، يمشي تلاميذُ وتلميذاتُ كلِّ منطقةٍ مع بعضِهم، يشعرُ الأولادُ بمسؤوليةٍ تجاهَ البنات، يشعرون أنهم رجالٌ بمعنى الكلمة وليسوا مجردَ ذكور!! لم نكن ندفع شيئًا مذكورًا لعله جنيهان أو ثلاثة شهريًّا (عام 1988م) مقابلَ كل هذا الجُهد، ومن لا يستطيعُ أن يدفعَ فلا مشكلةَ على الإطلاق!!

هو يومٌ دراسي يَحْمِلُ في طيَّاتِه كلَّ ما يَقُومون به في مدارس اللغات و (الإنترناشيونال): (Fun Day) و (Dish Party) و (Sport Day) أما الـ (Parents Meeting) فهو دائمٌ في شوارع القريةِ ومساجدِها ومناسباتِها المختلفة، الأب أو الأم للمُدرس: (الواد / البت) عامل/ ـة معاك إيه؟ المُدرس: ما شاء الله، الله أكبر، ابنك/بنتك حاجة تفرح، ربنا يحميه/ ـا ويبارك فيه/ ـا، أو العكس: عاوز يتقرص ودنه/ـا شوية، فيكون رَدُّ الأب أو الأم: (اُقْرُص ومَالَكْش دَعْوَة، اِكْسَرْ وأنا أداوي)!!

وأتساءل الآن: ما الذي دَفعناهُ من مالٍ لكل هذا الحُبِّ والدِّفءِ والحِرْصِ على النفس والمصلحة؟! لا شيء!!
المالُ مُهِمٌّ لا شكَّ، ويُوفرُ الإمكانيات، لكن لعله لا يُوفرُ البيئةَ التي تُربي وتَحمي بمسؤوليةٍ وحُبٍّ ودِفْءٍ لا أزال أشعرُ به وأتنفسُ نسماتِه كلما مررتُ مِن أمام مدرسة (الأمريكان) _ رغم أنه لم يَعُدْ لها وجودٌ الآن على أرض الواقع _ لكني لا زِلْتُ أحفظُ كلَّ شِبْرٍ فيها عن ظَهْرِ قلب، أو إن شئتَ فقل: عن ظَهْرِ حُب!!

ملحوظة: قانونُ الأحداث يجبُ أن يُعَدَّل، ومُغتصِبو الأطفال لا يَستحقون الحياة، وإلا فلا يَلُومَنَّ أحدٌ على الأهلِ الذين سيَسْلِبُونَ رُوحَ (النَّطْعِ) الذي قَتَلَ بَراءةَ أطفالِهم!!

زر الذهاب إلى الأعلى