مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: سلعة البشر الأغلى

0:00

“الوقت هو الشيء الوحيد الأجدر بالقتال لأجله ” ، جملة جاءت في سياق حوار الفيلم الأمريكي ( چوبيتر) والتي جعلتني أتوقف عندها طويلًا ، فقائلة العبارة كانت إحدى أفراد أسرة ملكية تحكم الكون ، وكانت تشرح لبطلة الفيلم (چوبيتر) البشرية الآتية من الأرض كيف أننا البشر بعيدون عن الحقيقة ، نتقاتل من أجل المعادن ومصادر الطاقة، رغم أن الثروة الوحيدة الذي يجب القتال من أجلها هي الوقت .

الفيلم رغم أحداثه الأقرب للفانتازيا والخيال ، يطرح فكرة عميقة للغاية وهي قيمة الوقت وأهميته. أن تكسب وقت لإتمام مهمة ، أن تجد وقتًا يضاف إلى عمرك ، أن تنجح في الاستمرار على القمة لمزيد من الوقت .
الوقت هو حياتك على هذه الأرض ، وهو الثروة الوحيدة التي تنسل من بين أصابعك وأنت تدري ، بل تجتهد في هدرها أحيانًا ، رغم أنها أنت في الحقيقة . الوقت هو الثروة التي لا يزيدها الجهد أو السعي وإنما يزيدها جودة هذا الجهد وماهيته، لذا رب العزة لم يَعِد أحدًا من البشر بإطالة وقته المقدر على الأرض وإنما وعدنا بمنح أصحاب الأعمال الصالحة البركة في وقتهم ، والبركة تكون في العون الإلهي بتحقيق مساعيك خلال وقتك المحدد سابقًا .

ولعل أبرز الحضارات التي عرفت قيمة الوقت واستثمرته الحضارة الإسلامية ، ولعل ذلك عن وعي عقائدي راسخ بأن الوقت هو ثروة الإنسان التي سيسأل عنها في نهاية المطاف أمام رب العباد : ( عمره فيما أفناه) ، -وفي المثال برهانٌ على الحجة – ، يُروَى أن الإمام البخاري صاحب صحيح البخاري المرجع الأول لعلم الحديث ، كان لا ينام إلا غفوة، ويستيقظ مرات عديدة في الليلة الواحدة ليكتب ما يطرأُ على ذهنه من خَواطِرَ أو أحاديثَ؛ حتى أنه كان يستيقظ من نومه كُلَّما خطر بباله شيء يَخْشَى فواته، وذاك الإمام النووي أعجوبة عصره،كان آية في قلة النوم والجد في الطلب، فكان  يُذكر عنه أنه لم يضع جنبه على الأرض للنوم إلا ليلة واحدة طيلة ست سنوات، وكان ينام وهو جالس، وكان يقضي وقته كله في الدراسة والتأليف والتدريس. ونختم الأمثلة بالعلامة البيروني ، الذي لم يكن يدع وقتًا يضيع هباءً، حيث اعتمد التوزيع الدقيق للوقت لإنجاز هذا الكمِّ الهائل من الأعمال العلمية التي لا يزال بعضها يُدرّس حتى اليوم في علوم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا، والفيزياء، والصيدلة، والتاريخ.
وكما بدأنا الحديث عن الوقت بذكر جملة من حوار بأحد الأفلام الهوليودية نختمها بآخر تدور قصته حول أن بشرٍ يحمل كل واحد منهم على ذراعه ساعة للعد التنازلي تكشف ما تبقى له من الحياة .
ما أقساها من فكرة عبقرية تجعل الإنسان يدرك أهمية استثمار حياته في ما يرضي ربه ويسعده ويسعد من حوله ، الفيلم هو ( in time) أي (في الوقت المناسب ) ، أرشحه للمشاهدة ، وأتمنى لكم المزيد من الوقت !.

زر الذهاب إلى الأعلى