مقالات الرأى
حازم البهواشي يكتب: آداب القاهرة… ودفعة الأميرة فاطمة !!

0:00
حين يُسعدُك الحظُّ فتدخل الحرمَ الجامعيَّ لجامعة القاهرة من خلال بابها العريق التراثي، تستقبلك قُبتُها الشهيرة، ومبناها الذي امتد بناؤه لنحو ست سنوات، أما القبة نفسها فاستغرق بناؤها نحو ثلاث سنوات حيث تولى أساتذة من مدرسة الهندسة العليا مسؤوليةَ التصميم والبناء بعدما فشِل مهندسون بريطانيون في تنفيذها، فسقطت أكثر من مرة، لتنتهي أعمالُ البناء تماما عام (1936م). ويضم مبنى القبة _ بخلاف مكتب رئيس الجامعة والنواب وعدد من المكاتب الإدارية _ قاعةَ الاحتفالات الكبرى التي تتسع لنحو أربعة آلاف شخص، وقد شهدت خُطبًا وحفلاتٍ لمشاهير السياسة والفن مثل الرئيس “جمال عبد الناصر”، والرئيس الفرنسي الأسبق “چاك شيراك”، والرئيس الأميركي الأسبق “بارك أوباما”، وكوكب الشرق “أم كلثوم”. وحين تستمع إلى الإذاعة المصرية أو راديو مصر مثلًا على رأس الساعة تستمع إلى هذه العبارة: (ساعة جامعة القاهرة وقد أعلنت السابعة / الثامنة /…. إلخ)، وهذه الساعة مَعْلَمٌ آخرُ من معالم الجامعة شُيِّدت عام (1937م)، ويصل ارتفاعُ بُرجِها نحو (42) مترًا، ويتم الوصول إليها من خلال سُلَّم يتكون من (168) درجة، في نهايته (5) أجراس وبه (4) ساعات تضاء ليلًا. كما تجد على يمينك مبنى كلية الآداب العريقة، وأنت تدخل من بابها انظر فوقك لترى قطعةً من الرخام الأبيض مكتوبًا عليها: (هذه من آثار حضرة صاحبة السمو الأميرة فاطمة إسماعيل) إنها ابنة حاكم مصر سابقًا الخديوي إسماعيل، التي وُلدت عام (1853م) وتوفيت في (18 نوڤمبر 1920م) وقد كانت في غاية الحماسة لإنشاء الجامعة فقدمتْ مجوهراتِها وحُلِيَّها مساهمةً في بنائها، ضاربةً عُرْضَ الحائط بذكرياتِ الماس والياقوت، ناظرةً إلى ما هو أسمى، وهو العِلم، ولم تكتفِ بتلك الهبة بل أوقفت من أملاكها (661) فدانا ليُغطيَ ريعُها باقي نفقات الجامعة، وتبرعتْ بأرضٍ مساحتُها ستةُ أفدنة لتكون مقرًّا للجامعة، لكنها لم تشهد افتتاحَها، إذ توفيت قبلها بنحو خمس سنوات!! وكأن العظماءَ يشهدون مراحلَ التعب والجهاد ولا يدركون لحظةَ النصر؛ ليظلَّ عملُهم خالصًا لله لا لدنيا تَغُرُّهُم!! وإذا كانت كليةُ الآداب قد أحسنتْ صُنعًا بإطلاق اسم الأميرة (فاطمة إسماعيل) على الدفعة التي تخرجت فيها في الذكرى المئوية هذا العام (2025م)، فإنني أحسب أنه يجب تكريمُها، على الأقل بوجود درسٍ في مناهجنا يحكي دورَها في إنشاء جامعة القاهرة. ولعلك تعلم عزيزي القارئ أن الجامعة افتُتِحت عام (1908م) كجامعةٍ أهلية، لكنها عانت أزماتٍ خانقة، وكادت أن تتوقفَ التبرعات!! ثم تقرر تشكيلُ لجنةٍ رسميةٍ بقرارٍ حكومي في عام (1917م)، وأوصت اللجنة بضرورة إنشاء الجامعة الحكومية فورًا. ولكن ذلك لم يحدث إلا عقب صدور دستور عام (1923م)، فاجتمع “أحمد لطفي السيد” (أول مدير للجامعة الحكومية فيما بعد) مع الملك “فؤاد”، والذى شغل سابقًا منصبَ أول رئيس للجامعة الأهلية بعد قيامها عام (1908م)، وكان متحمسًا للأمر، فأصدر المرسومَ الملكي لإنشاء أول جامعة حكومية في شهر مارس عام (1925م) وبلغ عددُ طلابِها وقتَها (2381) طالبًا، وبدون طالبات، وبموازنةٍ تبلغ (300) ألف جنيه!! وأصبح لها حرمُها المستقل. الذكريات داخل كلية الآداب هي ذكرياتُ صحبةٍ طيبة، ومحبةٍ وتقديرٍ وعرفانٍ بالجميل لأساتذتنا أصحاب الفضل ومنهم: (حسين نصار / محمود فهمي حجازي / أحمد مرسي / جابر عصفور / عبد الله التطاوي / وفاء كامل / سيد البحراوي / أشرف دعدور / مي يوسف خُليف / عبد الحميد السيوري / خيري دومة / أحمد عبد العزيز / صبري المتولي / عرفة حلمي / خطري عرابي / سعد عبد الرحيم / ناصر موافي / حسام قاسم / خالد عبد المحسن / عاطف العراقي / و / خالد توفيق). ولا أبالغ إن قلتُ: إن مَن أسعده الحظُّ بالالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة أحبَّ أيضًا مبانيها ومدرجاتها ( 74 / 78 / 202…. إلخ )، وأحب طرقاتِها وكلَّ شِبر على أرضها، بل أحبَّ ليلَها ونهارَها.










