سمير السيد يكتب: صورة الإسلام في مخيلة جيل “ألفا”.. وتعمق أزمة الخطاب الديني

سمير السيد يكتب: صورة الإسلام في مخيلة جيل “ألفا”.. وتعمق أزمة الخطاب الديني
في السنوات الأخيرة، ومع كل احتفال بالمولد النبوي، تتجدد داخلي مشاعر من الحزن لا أستطيع مداراتها. فطالما آلمني هذا العجز، عن تقديم سيدنا محمد للأجيال الجديدة، في صورته الإنسانية الكاملة، ليس بوصفه صاحب رسالة إلهية وكفى، ولكن بما هو القائد الروحي والسياسي الذي غير مسار التاريخ. نردد في هذه المناسبة ترانيم النقشبندي: «نشر السلام على البرية كلها، وأعاد فيها الأمن بعد زواله».. نعطر ألسنتنا بآيات القرآن: «كتاب أنزلناه إليك، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور»، لكننا لم نشرح لهذه الأجيال كيف كان هذا الخروج، وكيف عاد ذلك الأمن.
مع بروز جيلي “زد” و”ألفا”، اللذين يتشكل وعيهما داخل «المجال العمومي الرقمي»، لم تعد الخطابات الدينية التقليدية المجتزأة قادرة على الحفاظ على فاعليتها الرمزية، إثر الحضور المتزايد للسرديات المضادة للإسلام.
هذه السرديات في أغلبها تتخفى وراء عقلانية نقدية، لا تخلو من انتقائية معرفية أو تدليس منهجي، وهو ما يقلل من قدرة “الخطاب المحلي”، على فرض هيمنته الرمزية في هذه الفضاءات الاتصالية العابرة للحدود، والتي تتجاوز المرجعيات المحلية وتعيد تشكيل أنماط إدراك هذه الأجيال للواقع الاجتماعي والسياسي.
ورغم وجود دراسات جزئية في علم الاجتماع حول التدين الرقمي، لكنها ليست شاملة أو معمقة بالقدر الذي يجعلنا نعرف بالتحديد، ما هي صورة سيدنا محمد في مخيلة هذه الأجيال، ومن ثم صورة الإسلام نفسه.
وفي هذا السياق، لا تشغلني كثيرا ترهات العلمانيين المتطرفين، عن جدوى مثل هذه الدراسات، التي تتعلق بصلب موضوع «الهوية» ومحوريته في نظريات الأمن القومي. لكن ما يشغلني حقا، لماذا أخفقنا في شرح منجزات الحضارة العربية الإسلامية، للناس؟.. كيف نجح «خطاب التشغيب» الذي يقوده هذا التيار المأزوم (العلماني المتطرف) ونقيضه «السلفي» التلفيقي المتشدد، في حصر التاريخ الإسلامي، في سردية «الدم» و«إرضاع الكبير» و«زواج الصغيرات».. وكيف حُشرنا في زاوية الدفاع عن المرتكز الرئيسي الحي في ثقافتنا، بكل ما يمثله من ثراء أخلاقي وفلسفي؟.
ربما يقتصر وعي الجزء الأكبر من هذا المجتمع على الجوانب الشعائرية والأخلاقية العامة، لكن ليس واضحا في ذهنه أي شئ عن ماهية دين التوحيد الذي مثل الإسلام ذروة مجده وعنفوانه، ولا عن مكانة دين التوحيد الاستثنائية في مسيرة تطور الأديان على الأرض، ولا عن رؤيته المفارقة للوجود والوعي بالذات، ولا عن تأثيره في حركة التطور الإنساني، عبر إنجازه الأهم والمتمثل في نزع فكرة القداسة عن الطبيعة والسلطة الزمنية، وإنهاء العبودية الروحية للملك الإله أو ابن الإله.
لقد دشن هذا الإنجاز ، مرحلة «بناء الذات الإنسانية الفردية الحرة العاقلة المستقلة القادرة علي وراثة نور النبوة، وتجاوز شرطها الطبيعي والارتفاع فوق الشهوات والغرائز»، وهو ما أطلق تجربة الإنسان نحو اكتشاف المعنى لا القوة، وحرر عقله وإرادته في اتجاه السيطرة على الطبيعة.
إن الجزء الأكبر من المجتمع، لا يعرف كيف شكل المسلمون “نظاما اجتماعيا سياسيا» فاعلا، و«مدنية اسلامية» تقدمت وهيمنت على العالم لحقبة من الزمن، عبر تقديم أنساق فلسفية وأخلاقية وعقلية، أسهمت في الحضارة الإنسانية، ومثلت رافدا رئيسيا للنهضة الحديثة في أوروبا.
إننا في حاجة ماسة لصياغة خطاب ديني جديد، لمواجهة هذه الأزمة المركبة، وأعني بها أزمة «الوعي الديني»، وأزمة «تراجع التدين الروحي، لصالح التدين الطقوسي»، وما يرافقها من هيمنة للنزعة الفردية والاستهلاكية، وتنافس أعمى على مراكمة الثروة والمنافع والكماليات، في موازاة تفاقم حالة “الاستلاب الثقافي”، أمام هذه الهيمنة المتصاعدة للمدنية الغربية.
ومما يسهم في تعقيد تلك الأزمة، استمرار تنازع الوعي بين خطاب علماني مأزوم، وخطاب «سلفي» تلفيقي متشدد، وخطاب أشعري تقليدي يفتقد للتأثير والفاعلية.
وقد تسبب كل ما سبق، في وجود حالة من التشتت الروحي الجماعي، في ظل تراجع للأخلاق الدينية، وعدم القدرة على بناء أخلاق مدنية بديلة، وهو الأمر الذي أدى إلى تفتت «نوابض التواصل والتفاهم والتضامن» بين أفراد المجتمع الواحد، بشكل بات يهدد التماسك الاجتماعي الذي يعد العنوان الأبرز للأمن القومي في مفهومه الحديث.
وعلى الرغم من أزمتي الوعي الديني وخفوت الإيمان، لا يزال الدين يحتل المكانة الرئيسية في الثقافة المصرية، سواء على مستوى تنظيم الحياة الروحية والعلاقة بين الفرد وعالم الغيب، أو على مستوى تنظيم القيم الموجهة للسلوك في عالم الشهادة والحياة اليومية المدنية. فالقطاع الأكبر من المجتمع لا يزال يعتقد أن الدين هو «النسق الوحيد» الذي يقدم لهم معايير مقبولة وناجعة لتوجيه سلوكهم وإعطاء معنى لحياتهم الفردية والجماعية.
ومن هنا، يبقى الدين ــ رغم تراجعه على مستوى الممارسة الشعائرية والسلوك ــ هو المكوِّن الحي الأهم الذي يمكن الاستثمار فيه لبناء الضمير الحر وتأسيس الحياة الأخلاقية، التي يستحيل من دونها إقامة نظام عام فاعل. فجوهر الدين هو الارتفاع بالإنسان فوق المصلحة الذاتية و«تكوين أفق مثالي وضميري يقيه من السقوط في الأنانية والشر».
كما يبقى التوصل إلى إجماع حول مكانة الدين وطبيعته ومقاصده ودوره مطلبًا أساسيًا، لصياغة «عقيدة اجتماعية» تحقق، وفقًا لتعبير المفكر برهان غليون، «الانسجام بين عناصر القوة الروحية والمادية، الرمزية والعقلية، الدنيوية والدينية، كشرط لازم لتحقيق تقدم المجتمع وارتقائه».










