د. باسم المذحجي يكتب: إيران على عتبة مصر والسودان ..كيف تهزمها القاهرة والخرطوم؟ دراسة في التقارب الإيراني الإثيوبي

يهدف هذا البحث إلى تحليل التمدد الإيراني غير المباشر نحو الأمن القومي المصري والسوداني عبر بوابة إثيوبيا، وكشف استراتيجية التشتيت والوقيعة التي تربط بين أحداث تبدو متفرقة، من استهداف سفينة في ميناء دمياط، إلى التنقيب عن الذهب على الحدود المصرية السودانية، إلى محاولة جر الخرطوم إلى صراع مفتوح.
وتتلخص مشكلة البحث في أن إيران لم تعد بعيدة عن حوض النيل، بل أصبحت على عتبته عبر شراكة استراتيجية مع أديس أبابا، تجمع بين رغبة طهران في توسيع النفوذ وكسر العزلة والالتفاف على العقوبات، ورغبة إثيوبيا في الحصول على دعم أمني وعسكري يحمي بقاء النظام ويقوي موقفها في ملف سد النهضة والفشقة.
اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي والمنهج الاستشرافي الجيوسياسي ومنهج دراسة الحالة، وتحليل التصريحات الرسمية ومذكرات التفاهم الأمنية وتقارير الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وتوصل البحث إلى أن ما يبدو أحداثًا متفرقة ليس صدفة، بل استراتيجية إدارة أزمات بالوكالة والتشتيت، تقف وراءها إيران وتتصدر المشهد فيها، وأن هزيمتها لا تكون بالمواجهة المباشرة وحدها، بل عبر استراتيجية مصرية سودانية موحدة تقوم على فصل المسارات، والحسم الأمني، وتوحيد الجبهة، وتدويل الانتهاكات، وتحويل الحدود من ساحة تهريب إلى ساحة تنمية وسيادة.
المقدمة
لم تعد إيران بعيدة عن الأمن القومي المصري والسوداني. فعبر بوابة أديس أبابا، أصبحت طهران على عتبة حوض النيل والبحر الأحمر.
هذا التقارب ليس مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، بل شراكة أعمق تجمع بين رغبة إيران في توسيع النفوذ وكسر العزلة، ورغبة إثيوبيا في الحصول على دعم أمني وعسكري براغماتي يحمي بقاء النظام.
وفي قلب هذا المشهد تبرز فرضية مركزية: أن ما يبدو أحداثًا متفرقة، من استهداف سفينة في ميناء دمياط، إلى التنقيب عن الذهب على الحدود المصرية السودانية، إلى محاولة جر الخرطوم إلى صراع مفتوح، ليس صدفة، بل استراتيجية إدارة أزمات بالوكالة والتشتيت، تقف وراءها إيران وتتصدر المشهد فيها.
إن الأمن القومي المصري والسوداني وحدة لا تتجزأ. وأي محاولة لزراعة خلاف بين ليلة وضحاها بين القاهرة والخرطوم تكون عادة مدفوعة بأطراف خارجية ترى في التحالف المصري السوداني تهديدًا لمشاريعها في حوض النيل والقرن الإفريقي.
مشكلة البحث
كيف يمكن لمصر والسودان أن يواجها تمددا إيرانيا غير مباشر عبر إثيوبيا، يستخدم أدوات التشتيت الأمني، والوقيعة بين البلدين الشقيقين، واستغلال ملف الذهب والتهريب، وملف سد النهضة، والفشقة، لضرب التحالف المصري السوداني وإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي؟
أسئلة البحث
– ما هي ملامح التقارب الإيراني الإثيوبي في عهد آبي أحمد منذ عام ٢٠١٨؟
– ما هي الأهداف غير المعلنة لإيران في البحر الأحمر والقرن الإفريقي؟
– ما هي الأهداف غير المعلنة لإثيوبيا من التحالف مع إيران؟
– ما هو الرابط بين حادثة ميناء دمياط والتنقيب عن الذهب على الحدود المصرية السودانية؟
– لماذا تسعى إثيوبيا لجر الخرطوم إلى صراع مفتوح؟
– كيف يمكن لمصر والسودان هزيمة هذه الاستراتيجية باستراتيجية الردع متعدد الأبعاد؟
فرضية البحث
إيران تتصدر المشهد في القرن الإفريقي عبر شراكة استراتيجية مع إثيوبيا، وتستخدم استراتيجية التشتيت والوقيعة لضرب التحالف المصري السوداني، وإشغال القاهرة والخرطوم بأزمات حدودية وأمنية، بما يخدم مصالحها في كسر العزلة والالتفاف على العقوبات والتمدد في البحر الأحمر، ويمكن هزيمتها فقط عبر استراتيجية مصرية سودانية موحدة تقوم على فصل المسارات والحسم الأمني والاحتواء الدبلوماسي.
أهداف البحث
– تحليل جذور وتطور العلاقات الإيرانية الإثيوبية من ستينيات القرن الماضي حتى اليوم.
– كشف الأهداف غير المعلنة للتقارب الإيراني الإثيوبي.
– تفكيك فرضية التشتيت والربط بين دمياط والذهب والفشقة وسد النهضة.
– تحليل استراتيجية الرد المصري والسوداني المتوقعة.
– تقديم خطة عملية لهزيمة التمدد الإيراني في حوض النيل.
منهجية البحث
– المنهج الوصفي التحليلي: لتحليل التقارب الإيراني الإثيوبي.
– المنهج الاستشرافي الجيوسياسي: لبناء سيناريوهات المواجهة القادمة.
– منهج دراسة الحالة: لحادثة ميناء دمياط، ومنطقة الفشقة، وملف الذهب الحدودي.
– أدوات البحث: تحليل التصريحات الرسمية، ومذكرات التفاهم الأمنية، وتقارير الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتحليل الخرائط الحدودية.
—
الفصل الأول: التقارب الإيراني الإثيوبي – من الدبلوماسية إلى الشراكة الاستراتيجية
تشهد العلاقات الإيرانية الإثيوبية تقاربًا وتطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة، حيث تتحول من مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية إلى شراكة أعمق.
أولًا: الجذور التاريخية
تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين إلى ستينيات القرن الماضي، وتصفها التصريحات الرسمية من الطرفين بأنها تاريخية ومتجذرة. لكنها ظلت لعقود علاقات بروتوكولية باردة، دون عمق أمني أو اقتصادي حقيقي.
ثانيًا: التطور في عهد آبي أحمد
منذ توليه السلطة في عام ٢٠١٨، حرص رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على تعزيز العلاقات الودية مع إيران. هذا التوجه جاء في سياق بحث أديس أبابا عن شركاء جدد في ظل توتر علاقاتها مع بعض جيرانها ومحيطها العربي، وتصاعد الضغوط الغربية عليها في ملفات حقوق الإنسان والنزاعات الأهلية.
ثالثًا: الدعم المتبادل في القضايا الإقليمية
دافعت إثيوبيا في محافل دولية عن حق إيران في تطوير الطاقة النووية، بينما أعلنت إيران دعمها لمشاريع البنية التحتية والسدود في إثيوبيا، وعلى رأسها سد النهضة. هذا التبادل السياسي ليس مجاملة دبلوماسية، بل مقايضة استراتيجية: غطاء سياسي مقابل غطاء لمشاريع المياه.
رابعًا: التفاهمات الأمنية والسياسية
وقع الجانبان مؤخرًا مذكرات تفاهم وتعاونًا أمنيًا مباشرًا، مما يعكس رغبة إيران في توسيع نفوذها بالقرن الإفريقي، وسعي إثيوبيا لإيجاد شركاء إقليميين يدعمون بقاء النظام.
نتيجة الفصل: التقارب الإيراني الإثيوبي ليس عابرا، بل شراكة مصالح متبادلة، تمنح إيران موطئ قدم في القرن الإفريقي، وتمنح إثيوبيا عمقًا تسليحيًا وسياسيًا إضافيًا.
—
الفصل الثاني: الأهداف غير المعلنة – لماذا تلتقي طهران وأديس أبابا؟
وراء التفاهمات الدبلوماسية المعلنة بين طهران وأديس أبابا، يرى الخبراء والمحللون السياسيون مجموعة من الأهداف غير المعلنة والأبعاد الجيوسياسية الحساسة التي تحرك هذا التقارب.
أولًا: الأهداف غير المعلنة للجانب الإيراني
١. التواجد الاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي:
تسعى إيران جاهدة لكسب موطئ قدم قرب مضيق باب المندب والممرات المائية الحيوية. هذا التواجد يمنحها أوراق ضغط إقليمية إضافية وقدرة على المناورة بمواجهة خصومها الدوليين والإقليميين.
٢. الالتفاف على العقوبات الدولية:
تمثل إفريقيا، وإثيوبيا تحديدًا كقوة إقليمية، سوقًا بديلة وممرًا محتملًا لتخفيف آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران عبر توسيع شبكات التبادل التجاري والمالي خارج النظام المصرفي التقليدي، مستفيدة من مظلة تكتلات مثل مجموعة بريكس.
٣. كسر العزلة الدبلوماسية ومواجهة النفوذ الأمريكي والغربي:
تبحث إيران عن حلفاء جدد في المحافل الدولية يدعمون مواقفها أو على الأقل يتبنون الحياد تجاه ملفاتها الحساسة كالبرنامج النووي، وهو ما تترجمه إثيوبيا بمواقفها السياسية.
٤. تسويق واختبار التكنولوجيا العسكرية:
تستغل إيران النزاعات لتسويق صناعاتها العسكرية، ولا سيما الطائرات المسيرة، حيث أثبتت التقارير استخدام أديس أبابا لمسيرات إيرانية الصنع خلال نزاعاتها الداخلية. إثيوبيا هنا مختبر ميداني حي للسلاح الإيراني.
ثانيًا: الأهداف غير المعلنة للجانب الإثيوبي
١. مواجهة التهديدات الأمنية والداخلية والخارجية:
تسعى الحكومة الإثيوبية للاستفادة من الخبرات الأمنية والاستخباراتية الإيرانية في قمع الميليشيات العرقية والحركات الانفصالية المسلحة التي تهدد استقرار البلاد، مثل جبهة تحرير التيغراي، وميليشيات الفانو والأورومو.
٢. الاستعداد لسيناريوهات النزاع البحري:
تضع إثيوبيا في حساباتها احتمالات الصدام العسكري أو التوتر المتصاعد مع جارتها إريتريا لتأمين منفذ بحري على البحر الأحمر، أو لمواجهة الضغوط المصرية السودانية بملف سد النهضة؛ لذا فإن بناء تحالفات عسكرية مع أطراف مثل إيران يمنحها عمقًا تسليحيًا إضافيًا.
٣. تخفيف الاعتماد الحصري على الغرب:
تنظر أديس أبابا بريبة إلى الضغوط الغربية والأمريكية المتعلقة بملفات حقوق الإنسان والنزاعات الأهلية، وترى في تنويع علاقاتها مع قوى مثل إيران، وروسيا، والصين، وسيلة لحماية نظامها من أي عقوبات أو ضغوطات غربية.
الخلاصة:تلتقي المصالح غير المعلنة للبلدين في رغبة طهران بتوسيع النفوذ والضغط الجيوسياسي، مقابل رغبة أديس أبابا في الحصول على دعم أمني وعسكري براغماتي يحمي بقاء النظام ويقوي موقفه في صراعاته المحلية والإقليمية.
—
الفصل الثالث: فرضية التشتيت والوقيعة – الرابط بين دمياط والذهب والسودان.
تحليل هذه الفرضية يربط بين ثلاثة محاور إقليمية وأمنية معقدة للغاية في المشهد الحالي. لفهم طبيعة هذا الترابط، يجب تفكيك كل جزء لمعرفة كيف يمكن أن تتقاطع هذه الأحداث جيوسياسيًا.
أولًا: حادثة ميناء دمياط ومسألة التشتيت
في العلوم الأمنية، تستخدم أحيانًا العمليات التمويهية أو إثارة القلاقل في مناطق استراتيجية مثل الموانئ البحرية لجذب انتباه الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام، مما يوفر غطاء لأنشطة أخرى غير قانونية أو حساسة في مناطق نائية.
استهداف سفينة في ميناء دمياط، في هذا السياق، لا يقرأ كحادث معزول، بل كرسالة تشتيت: جذب العين إلى الشمال، بينما يجري العمل الحقيقي في الجنوب.
ثانيًا: ملف الذهب على الحدود
تعتبر المناطق الحدودية بين مصر والسودان غنية بمعدن الذهب، وتشهد تاريخيًا نشاطًا لشبكات التنقيب غير المشروع، المعروفة بالدهابة. حدوث توترات أمنية متزامنة قد يستغل من قبل أطراف معينة لتكثيف عمليات التهريب أو التنقيب دون رقابة مشددة.
الذهب هنا ليس مجرد معدن، بل اقتصاد حرب مواز: يمول الميليشيات، ويغذي شبكات التهريب، ويضعف سيادة الدولة على ثرواتها. ومن يسيطر على ذهب الحدود، يسيطر على جزء من تمويل الفوضى.
ثالثًا: الرغبة الإثيوبية في جر الخرطوم لصراع مفتوح
تواجه أديس أبابا ضغوطا داخلية وإقليمية مستمرة. وجود صراع أو توتر دائم في السودان يخدم بعض مصالحها من خلال:
– تخفيف الضغط عن ملف سد النهضة: إشغال القوى الإقليمية، مصر والسودان، بأزمات أمنية داخلية وحدودية يقلل من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة قوية في مفاوضات السد.
– الملفات الحدودية المعلقة: مثل منطقة الفشقة المتنازع عليها بين السودان وإثيوبيا. إبقاء السودان في حالة استنزاف عسكري يمنع الخرطوم من إحكام السيطرة الكاملة على حدودها الشرقية.
رابعًا: الخلاف المرتب لجر البلدين الشقيقين
يمثل الأمن القومي المصري والسوداني وحدة لا تتجزأ. أي محاولة لزراعة خلاف بين ليلة وضحاها بين القاهرة والخرطوم تكون عادة مدفوعة بأطراف خارجية ترى في التحالف المصري السوداني تهديدًا لمشاريعها في حوض النيل والقرن الإفريقي.
وإذا نجحت أطراف خارجية في الوقيعة بين البلدين أو استدراج أحدهما لصراع مفتوح، سواء عبر الحدود أو من خلال دعم فصائل مسلحة معينة، فإن المستفيد الأكبر سيكون القوى الإقليمية التي تسعى للاستفراد بملف المياه، أو القوى التي ترغب في تحجيم الدور المصري في إفريقيا.
الرابط المشترك: الرابط المشترك في هذا التحليل هو استراتيجية إدارة الأزمات بالوكالة والتشتيت. فالأحداث لا تنفصل عن بعضها؛ حيث يمكن أن يستغل حدث أمني في الشمال لتمرير مصالح اقتصادية أو أمنية في الجنوب، بينما تستغل حالة السيولة الأمنية الإقليمية لضرب التحالفات الاستراتيجية بين مصر والسودان، وهو ما يتقاطع مباشرة مع رغبات أطراف إقليمية كإثيوبيا في إعادة تشكيل موازين القوى لصالحها.
—
الفصل الرابع: الرد المصري – استراتيجية الردع متعدد الأبعاد
تتعامل مصر مع هذه الفرضيات والتهديدات المركبة، الاستهداف البحري، والتسلل والتهريب الحدودي، ومحاولات الوقيعة الإقليمية، عبر استراتيجية الردع متعدد الأبعاد وحماية الأمن القومي. هذا المزيج من الحزم الأمني والتحرك الدبلوماسي الحذر يهدف إلى إفشال أي محاولات للاستدراج أو إحداث الفراغ.
أولًا: الرد الميداني والحسم الأمني على الحدود الجنوبية
لا تلتفت القاهرة لمحاولات التشتيت، بل تنفذ القوات المسلحة المصرية، المنطقة العسكرية الجنوبية، بالتنسيق مع الشرطة المدنية حملات تمشيطية واسعة النطاق لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب والتهريب في المناطق الحدودية.
وتوجه مصر رسائل ميدانية واضحة بأن أي نشاط غير قانوني داخل حدودها يعد خطا أحمر يمس الأمن القومي والاقتصادي، مع توجيه ضربات مباشرة للبؤر الإجرامية وشبكات تهريب السلاح والمهاجرين غير الشرعيين.
ثانيًا: احتواء التهديدات البحرية
في حالات استهداف السفن أو المنشآت الحيوية مثل هجمات المسيرات، تتعامل الأجهزة الأمنية والدفاعية المصرية باحتواء سريع للأزمات عبر تفعيل خطط الطوارئ البديلة لضمان استمرار الإمدادات وحماية الملاحة.
ويتم فحص حطام ومخلفات أي اعتداء تقنيًا لتحديد جهة الإطلاق ورسم ملامح الرد الاستخباراتي والسياسي على الأطراف المحرضة.
ثالثًا: إفشال مخططات جر السودان ومواجهة التمدد الإثيوبي
تقف مصر بحزم لتعزيز وحدة وسيادة السودان وسلامة أراضيه. الرد المصري هنا يركز على منع تفكيك السودان الذي يمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لها.
وتطالب الخارجية المصرية علنًا وبقوة بوقف تدفق السلاح والمسيرات إلى الميليشيات المتمردة، مثل قوات الدعم السريع، عبر الحدود ودول الجوار، وتدعو الأطراف الإقليمية، مثل إثيوبيا، للتوقف عن التدخل في الشأن السوداني الداخلي وتأجيج الصراع عبر استخدام الطائرات المسيرة.
وتحرص القاهرة على إبقاء قنوات الاتصال والتعاون الاقتصادي والأمني مفتوحة ومباشرة مع القيادة السودانية في بورتسودان لقطع الطريق أمام أي فتن مصطنعة تسعى لتفريق البلدين الشقيقين.
رابعًا: الرد الدبلوماسي وبناء شبكة أمان دولية.
تتحرك مصر بالتنسيق مع السودان لتوثيق أي خروقات أمنية أو استخدام للمسيرات الموجهة ضد المدنيين والبنى التحتية أمام مجلس الأمن الدولي والاتحاد الإفريقي.
وتسعى مصر لانتزاع إدانات دولية واضحة ضد الهجمات التي تستهدف أمن الملاحة واستقرار المنطقة، مما يحرم الأطراف الأخرى من الغطاء السياسي.
خلاصة الرد المصري: ترد مصر بفصل المسارات؛ فلا تسمح لحدث في الشمال بأن يعطل عملياتها السيادية في الجنوب، وتواجه بحسم أمني أي محاولة للعبث بحدودها وثرواتها، بينما تعتمد نفسًا دبلوماسيًا طويلًا ومحاصرة دولية لأي قوى إقليمية تحاول زعزعة استقرار السودان أو إيقاع الخلاف بين الشعبين الشقيقين.
—
الفصل الخامس: كيف تهزم مصر والسودان إيران؟ – خطة المواجهة الشاملة.
أولاً: فصل المسارات
القاعدة الذهبية: لا تسمح لحدث في دمياط أن يعطل عملك في حلايب وشلاتين، ولا تسمح لأزمة في الفشقة أن تعطل مفاوضات السد. كل ملف يدار بغرفة عمليات مستقلة، لكن برؤية موحدة.
ثانيًا: توحيد الجبهة المصرية السودانية
– غرفة عمليات أمنية مشتركة على الحدود.
– تنسيق استخباراتي يومي حول تحركات المسيرات والتهريب.
– اتفاق اقتصادي لتقنين التنقيب عن الذهب وتحويل الدهابة من شبكات تهريب إلى شركات مرخصة تحت رقابة الدولتين.
– موقف دبلوماسي واحد في مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي حول سد النهضة والفشقة والمسيرات.
ثالثًا: تجفيف منابع التهريب والذهب غير المشروع
الذهب يجب أن يتحول من اقتصاد حرب إلى اقتصاد تنمية. عبر إنشاء مناطق تنقيب مرخصة، ومصافي ذهب رسمية، وربط عائدات الذهب بميزانية الدولة، يفقد المهربون والميليشيات مصدر تمويلهم الرئيسي.
رابعًا: محاصرة التمدد الإيراني إقليميًا ودوليًا
– حشد الدعم الإفريقي والعربي: إقناع دول القرن الإفريقي بأن التمدد الإيراني يهدد الجميع، لا مصر والسودان فقط.
– توثيق استخدام المسيرات الإيرانية في السودان وإثيوبيا وتقديمها كملف متكامل أمام مجلس الأمن.
– بناء تحالف بحري في البحر الأحمر لحماية الملاحة وقطع خطوط تهريب السلاح.
خامسًا: تحويل الحدود من ساحة فوضى إلى ساحة تنمية
الحدود المصرية السودانية يجب أن تصبح منطقة تنمية مشتركة: طرق، موانئ برية، مناطق تجارة حرة، مشاريع زراعية. التنمية هي أقوى سلاح ضد التهريب، لأنها تسحب الحاضنة الشعبية من شبكات الفوضى.
—
الخاتمة والتوصيات
إيران على عتبة مصر والسودان، لكنها ليست داخل البيت. والفرق بين العتبة والبيت هو التحالف المصري السوداني.
التوصيات:
– تثبيت التحالف المصري السوداني كتحالف استراتيجي دائم، لا تحالف ظرفي.
– البدء الفوري بعملية تقنين الذهب الحدودي وتحويله إلى مورد رسمي.
– تفعيل غرفة عمليات مشتركة لمراقبة المسيرات والتهريب على مدار الساعة.
– تقديم ملف التقارب الإيراني الإثيوبي لمجلس الأمن والاتحاد الإفريقي كتهديد للأمن الإقليمي، لا كخلاف ثنائي.
– إطلاق مشاريع تنمية حدودية مشتركة تربط مصالح سكان الحدود بالدولة، لا بالمهربين.
– عدم الانجرار لأي استفزاز مصطنع يهدف لخلق خلاف بين القاهرة والخرطوم.
الخلاصة وزبدة القول: إيران تتصدر المشهد في تصور هذا البحث، لكن هزيمتها ممكنة. تهزم بالوحدة، لا بالفرقة. وتهزم بفصل المسارات، لا بالخلط بينها. وتهزم حين يدرك البلدان الشقيقان أن من يفرقهما اليوم، سيستفرد بهما غدًا.
باحث استراتيجي يمني.
نوفمبر ٢٠٢٦










