مقالات الرأى

.صفوت عباس يكتب: (معضلة مصر.. بين “تَحَمَل” للشيخ ياسين و”الجواب الاصعب” لمحمد عبده!)

مؤشر جيد أن الحكومة أحسّت أنها موضع نقد شعبي شديد، وحزنت لذلك ورغبت في الرحيل، حسب ما ورد في حديث السيد الرئيس بالمنتدى الأخير. ودلالة جودة هذا المؤشر أن حديث الناس وشكواهم تُسمع على مستوى الحكومة ورأس الدولة، وهذا يوضح فعالية وسائل الاتصال التي يبث الناس من خلالها رأيهم وشكواهم. ويعظّم أثر المؤشر ردُّ الفعل بأن الحكومة بثّت شكواها من نقد الناس إلى السيد الرئيس، الذي دشّن كلمات للتقريب وتحسين الصورة.

لا نقد في أن يقوم رأس السلطة التنفيذية بممارسة دورٍ في سلسلة الاتصال بين الشعب والحكومة وأن يكملها؛ فكل المؤسسات والدول تباشر دوراً في إطار العلاقات العامة التي تسعى لعرض ومناقشة وجهات النظر، وعرض الأداء، وتحسين الصورة الذهنية، وتعزيز وكسب الرضا. وربما كان المنتدى الأخير لهذا الهدف. والسؤال: هل تُقرّ الحكومة أنها لا تستطيع، أم أنها أحسنت وجُحِدت؟.

النقد الشعبي الذي استشعرته الحكومة كان إفرازاً لحالة المعضلة المصرية التي واجهت –وستواجه– كلَّ وأيَّ حكومة مضت أو آتية، وهي ترافق وفرةً عددية سكانية وقلةً في الموارد التي تلبي متطلبات الشعب المتعددة –وقد زادت وتطورت كثيراً بفعل التطور العام على الكوكب– وعليه كانت الشكوى. وهذا هو جوهر أي تعريف للمشكلة الاقتصادية في عقول المختصين بها: «موارد قليلة تواجه حاجات كثيرة». وكأن الحكومة بشكواها من نقد الناس توضح عمق المشكلة بما ردّده فنان العرب محمد عبده في أغنية له إذ قال«… ويامين يحاسبنا يلقى الجواب أصعب!».

في مشهد جمع بين المأساة والملهاة حدث بحفل إنشاد ديني (حضره)، استهلّ المنشد ياسين التهامي القصيدة بكلمة «تحمّل»، فردّ عليه أحد المريدين بالحضرة: «ما قادرش»، فضجّ الحاضرون بالضحك. كلمات لوصف حالة عشق صوفي تداولها الناس كثيراً –وما زالوا– بألم مضحك، لتجسيد كل حالة وأي حالة يعانونها، وخاصة تكاليف الحياة حالياً.

الحالة العامة إقليمياً ودولياً كرّست لتعظيم الإحساس بالمشكلة، وإنكاره صعب؛ فبرميل النفط قبل حرب إيران/أمريكا كان بمحيط ٧٠ دولاراً، وبتداعيات الحرب اقترب من محيط ١٢٠ دولاراً (قرابة ٧٥%)، وحيث البترول قائد في مؤشرات الأسعار فإن التضخم حتمي مع ارتفاعه، الأمر الذي يزيد الإحساس بوطأة قلة الدخل في مواجهة احتياجات متعددة أساسية أو ثانوية.

عرض المنتدى الأخير إنجازات ملموسة في مجال البنية الأساسية والإسكان والطاقة، علاوة على إنجازات في مجال استصلاح الأراضي، وهو العامل الحاسم في سد الفجوة الغذائية، وهي أهم الاحتياجات. لكن المواطن لا يضع اعتباراً لمصطلحات الاقتصاد من معدل النمو وزيادة الاستثمار والإنجاز في تنمية البنية الأساسية، مع اعتبار كامل لتلبية كل احتياجاته –حتى إن أفرط فيها–. وربما فهم المواطن أن حجم الدين والظروف المحيطة يعرقل ذلك، لكنه يتنصّل من ذلك الفهم ليفهم أنه يريد حياة سلسة مريحة ممكنة وفق قدراته.

المعضلة الثانية التي يسببها متناقضان هما (الثبات أو التقهقر والانطلاق): فرؤية إدارة الدولة تحلم –وهذا واجب حتمي– بمواكبة عالم تطوره شديد السرعة في انطلاقه، فهدفت إلى ترسيخ قواعد بنية أساسية للانطلاق عبر بنى الطاقة والمواصلات لتجتذب استثماراً منتجاً لا يمكن بغيرها. لكن المواطن يقفز فوق منطق أن هذا لا يكون إلا ببنية أساسية تتحمله وتستوعبه، وحصر المواطنون فهمهم فيما سُوّق لهم بأن الأولى كان الاستثمار المنتج الذي يحقق قيمة مضافة، مع إغفال لفهم مقوماته من استقرار أمني وبيئة وبنية مشجّعة.

يُعذر المواطن؛ فقسوة ضيق ذات اليد مؤلمة، ويُعذر الإدارة الحكومية في أن واجبها النظر للأمام حتى لا يلتهمنا التخلف عن أبطأ ركب. وبين توفيق العذرين نحتاج إلى صناعة فهم مشترك ومواءمة مرنة بين المتناقضات، واختيار تكلفة الفرصة البديلة (ألم الاستغناء عن غير أساسي لإشباع أساسي) حتى نحل معضلات المسبب للأزمة من وفرة سكانية وموارد محدودة، ثم حتمية إنفاق للتقدم مع توفير حياة معقولة لمن تسحقهم القلة والعوز.

زر الذهاب إلى الأعلى