مقالات الرأى

د. باسم المذحجي يكتب: ترمب يبني نظامًا عالميًا جديدًا.. والنفط هو من يدفع الثمن

خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، تتشكل عقيدة جديدة. لا تُناقش في الأمم المتحدة، ولا تُعلن في المؤتمرات الصحفية. إنها تُبنى في حقول النفط والمضائق وغرف الإحاطة الاستخباراتية.

الرئيس دونالد ترامب لا يخوض حربًا واحدة. إنه يموّل حربًا بأخرى، ويستعد لثالثة.

_المعادلة: فنزويلا تموّل إيران.

منطق البيت الأبيض بسيط وقاسٍ. السيطرة على فنزويلا – صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم – منحت ترامب ورقة رابحة يعرضها على الناخبين والكونغرس مفادها بأن الحروب الخارجية يمكن أن تموّل نفسها.

البنتاغون والمجمع الصناعي العسكري يضغطان من أجل قواعد دائمة في الشرق الأوسط والبحر الكاريبي. شركات النفط الأمريكية الكبرى تضغط من أجل عقود طويلة الأجل لإعادة بناء شركة النفط الفنزويلية المتهالكة والتحكم في المعروض العالمي.

وكالة الاستخبارات المركزية CIA تهندس الواقع على الأرض و تراقب شبكات التهريب الإيرانية وتؤمّن النظام السياسي الجديد في فنزويلا لضمان تدفق العائدات إلى حسابات خاضعة للإشراف الأمريكي دون انقطاع.

لكن الحسابات لا تتطابق حتى الآن. تقارير التحقق المستقلة، ومنها بوليتيفاكت، تقدر العائدات الفعلية من نفط فنزويلا منذ السيطرة عليها بنحو 13 مليار دولار فقط – وهو مبلغ أقل بكثير من كلفة حرب إيران، وأقل بكثير مما يمكن أن تقدمه بنية تحتية مهترئة دون سنوات من الإصلاح.

_ياترى ماهو النموذج الجديد ..بلاشك عسكرة التمويل.

هذا هو جوهر النظام العالمي الجديد عند ترمب_تمويل حرب في منطقة عبر السيطرة على موارد منطقة أخرى_
لم يعد الأمر مجرد جيوسياسة بل أصبحت القوة العسكرية أداة مباشرة لإعادة الهيكلة الاقتصادية للدول. السيطرة على النفط الفنزويلي ليست مجرد شأن فنزويلي. إنها خطوة استباقية لقطع الموارد الحيوية عن الصين وروسيا، وكسر قبضة أوبك على الأسعار.

_الفصل الأخطر في الحكاية.. لماذا يريد ترامب استمرار حرب إيران؟ .. لنهب دول الخليج.

وهنا تكمن النقطة التي لا يقولها أحد بصوت عالٍ.

ترمب لا يريد إنهاء حرب إيران. ترمب يريد إطالتها. لأن الحرب المستمرة هي أكبر ماكينة نهب في التاريخ الحديث، والضحية ليست إيران وحدها.. الضحية هي دول الخليج.

1. الخوف = الفاتورة.
كلما طالت الحرب مع إيران، كلما زاد خوف دول الخليج. وكلما زاد الخوف، كلما زادت الفاتورة. ترمب فهم المعادلة منذ ولايته الأولى، والمصيبة بأن الحرس الثوري فهمها أيضًا،وتمخضت حقيقة مُرة لا تبيع للخليج سلاحًا، بيع له أمانًا. صواريخ باتريوت بمليارات، منظومات ثاد بـ 15 مليار، طائرات F-35 بعقود خيالية، وقواعد أمريكية تدفع دول الخليج إيجارها وحمايتها. إيران هي الفزاعة، والخليج هو من يدفع ثمن الفزاعة.

2. النفط الخليجي رهينة الحرب.
استمرار الحرب يعني استمرار تهديد مضيق هرمز.يحلو لي تسميتها فزاعة هرمز، وبروباغاندا باب المندب، واستمرار تهديد هرمز يعني استمرار مسرحية اتفاق واشنطن مع الحوثيين. يعني باختصار أن دول الخليج لا تستطيع بيع نفطها إلا بحماية أمريكية. وهنا يأتي الابتزاز الناعم “إما أن تدفعوا مقابل الحماية، أو نترككم وحدكم أمام إيران”. وهكذا تتحول دول الخليج من دول منتجة للنفط إلى دول تدفع إتاوة حماية لواشنطن.

3. فنزويلا لم تكفِ.. الخليج هو البنك الحقيقي.
عائدات فنزويلا 13 مليار لا تكفي. من أين سيأتي ترمب بالباقي؟ من الخليج: ودائع خليجية في البنوك الأمريكية بالمليارات، استثمارات في السندات الأمريكية، صفقات سلاح لا تنتهي، وتمويل إعادة إعمار ما تدمره الحرب. ترمب يريد الحرب تستمر، لأن السلام يعني أن الخليج سيتوقف عن الدفع. السلام يعني أن السعودية والإمارات وقطر لن يحتاجوا الحماية الأمريكية. وهذا هو كابوس ترمب الاقتصادي.يحلو لي تسميتها ب الصفقة الكبرى لترمب بأقل جهد وأقل وقت وأقل كلفة.

4. تكسير أوبك من الداخل.
باستمرار الحرب، يجبر ترمب دول الخليج على زيادة إنتاجها لتعويض النفط الإيراني والفنزويلي، فينهار سعر النفط، وتخسر دول الخليج مرتين: مرة تدفع للحماية، ومرة تخسر من انخفاض الأسعار. وفي النهاية، يسيطر هو على السعر العالمي من خلال النفط الفنزويلي مع النفط الخليجي الرخيص.

ترمب لا يحارب إيران لكي يهزمها. هو يحارب إيران وذيلها الحوثي لكي يُبقيها تهديدًا حيًا، تهديدًا يجعل دول الخليج تدفع كل شهر، وتشتري كل سنة، وترتعب كل يوم.

_ماذا بعد؟
نافذة 2029.

تُجمع أجهزة الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها CIA والأجهزة الأوروبية، على أن الفترة من 2026 إلى 2029 هي المهلة الأخيرة قبل صدام مباشر بين القوى العظمى.

1. روسيا ضد الناتو: تقييمات ألمانية وغربية تحذر من أن روسيا ستكون قادرة ومستعدة عسكريًا لاختبار حلف الناتو بحلول عام 2029، بعد اكتمال إعادة بناء قوتها التقليدية. الناتو الآن في حالة استنفار قصوى.

2. أمريكا ضد الصين حول تايوان: محاكاة نشرتها مجلة _The National Interest_ تصوّر حربًا شاملة، بل نووية، بين أمريكا والصين في عام 2029 إذا تحركت تايوان نحو انفصال اقتصادي أو سياسي كامل. وتراقب CIA هذا الملف باعتباره الخط الأحمر الأخير لبكين.

_القادم مخيف.

فريق ترمب يعتقد أن النظام القديم لن يتم إصلاحه. سيتم استبداله بحلول عام 2029 – ومن يسيطر على الطاقة والمضائق وكابلات البحار سيسيطر على النظام الجديد.

السؤال لم يعد هل اختار ترامب الحرب. السؤال هو هل يستطيع تثبيت الهيمنة الأمريكية قبل أن تنفجر الجبهات الثلاث – إيران وفنزويلا وتايوان – في وقت واحد؟
يحلو لي صناعة مسخ معادلات كالتالي:

انتهت الحرب = انتهى النهب.
استمرت الحرب = استمر النهب.

وإذا توقفت إيران عن التهديد، سيخترع ترامب عدوًا جديدًا في الخليج، المهم أن يظل الخليج خائفًا.. ويدفع.

باحث استراتيجي يمني.

زر الذهاب إلى الأعلى