د.ماهيتاب صلاح الدين تكتب: الفأس .. الجبل الذي أيقظ هيروشيما

“أنت لم تر شيئا في هيروشيما”..بهذه الكلمات لامست مارجريت دوراس في نصها الشهير “هيروشيما حبيبتي” جرحا يتجاوز قدرة اللغة على التعبير .. وكأن المدينة التي أضاءتها القنبلة في لحظة خاطفة لم تعد قابلة للرؤية أو الفهم.. وكأن ما حدث فيها تجاوز قدرة اللغة نفسها على وصفه.
في صباح السادس من اغسطس عام 1945.. لم يكن سكان هيروشيما يعرفون ان العالم الذي استيقظوا فيه لن يكون هو العالم الذي سيغلقون فيه اعينهم.. لم يكن هناك انذار أخير يكفي لإنقاذ مدينة.. ولا مساحة زمنية تسمح بفهم ما يحدث.. ضوء خاطف شق السماء.. ثم انفتح الجحيم على الأرض.
في مكان آخر.. وعلى مسافة الاف الأميال.. كان رجل يجلس في قلب السلطة الأمريكية.. يحمل اسما سيظل مرتبطا الى الأبد بأول استخدام للسلاح النووي في التاريخ.. هاري ترومان.
لم يكن ترومان يرى المدينة من نافذة مكتبه.. ولم يسمع صرخات ضحاياها.. لكنه كان الرئيس الذي ادار القرار السياسي الذي انتهى باستخدام السلاح الذي حولها الى مقبرة مفتوحة.. وبعد ثلاثة ايام.. كانت ناجازاكي على موعد مع المصير نفسه.
لم يكن العالم قد عرف بعد ان القرار الذي اتخذ في واشنطن لن ينتهي بانتهاء الحرب العالمية الثانية.. بل سيظل جالسا على مائدة السياسة الدولية.. حاضرا في حسابات الرؤساء.. ومختبئا في ظلال كل مواجهة كبرى.
واليوم.. بعد أكثر من ثمانية عقود.. يعود شبح ذلك القرار ليحوم فوق الشرق الأوسط.. ليس من سماء اليابان.. وإنما من أعماق جبل في ايران.. فهل يمكن ان يصبح السلاح الذي دمر هيروشيما وناجازاكي مرة أخرى جزءا من حسابات الحرب؟
ترومان.. حين خرجت القنبلة من اليابان إلى العالم
لم يكن قرار ترومان وليد لحظة غضب.. بل جاء وسط حسابات عسكرية وسياسية معقدة.. فواشنطن ارادت انهاء الحرب مع اليابان وتجنب كلفة غزو بري كان متوقعا ان يحصد اعدادا هائلة من الجنود.. لكنها كانت تدرك ايضا أن امتلاك السلاح الجديد يمنحها موقعا استثنائيا في عالم ما بعد الحرب.. خصوصا مع اقتراب الاتحاد السوفيتي من دخول المواجهة ضد اليابان.
ظل الجدل قائما حتى اليوم.. هل كانت القنبلة ضرورة لإنهاء الحرب.. ام ان استعراض القوة أمام موسكو كان أحد الاعتبارات الحاضرة في القرار؟ لا توجد إجابة تاريخية واحدة تحسم كل دوافعه.. لكن النتيجة كانت واضحة.. هيروشيما وناجازاكي دفعتا الثمن.. وبدأ العالم عصرا لم يعد فيه الدمار النووي مجرد احتمال نظري.
ففي عام 1949 امتلك الاتحاد السوفيتي قنبلته.. وانتهى الاحتكار الأمريكي.. ثم دخلت قوى أخرى النادي النووي.. وتحولت القنبلة إلى محور سباق تسلح ومعادلة ردع تقوم على الخوف المتبادل.. صار كل طرف يعرف أن تدمير خصمه قد يعني تدمير نفسه أيضا.
وهكذا لم ينه قرار ترومان الحرب العالمية الثانية فحسب.. بل وضع البشرية أمام معادلة جديدة.. أن يصبح بقاء العالم مرهونا بقدرة قادته على الامتناع عن استخدام أقوى أسلحة امتلكها الإنسان.
جبل الفأس.. معركة الوصول إلى المجهول
اليوم.. تنتقل الحكاية إلى إيران.. وتحديدا إلى جبل الفأس.. أو “كوه كولانغ غاز لا”.. وهو مجمع أنفاق عميق قرب منشأة نطنز النووية.. اثار قلق واشنطن وتل ابيب بسبب تحصيناته وأعمال الحفر المتواصلة فيه.
لكن الدقة تقتضي التمييز بين ما هو معروف وما لا يزال مجهولا.. فالصور الفضائية تكشف أعمال بناء وتحصين واسعة.. لكنها لا تثبت وجود أجهزة تخصيب داخل الجبل أو ان الموقع بدأ ممارسة نشاط نووي بالفعل.. كما أن تقديرات عمق الأنفاق.. التي تتراوح بين 80 و100 متر.. تظل تقديرات غير مؤكدة.
وتكمن المعضلة في أن الولايات المتحدة لا تملك ضمانا بأن قنابلها التقليدية قادرة على تدمير المنشأة بالكامل.. فقنبلة GBU-57 الخارقة للتحصينات.. التي استخدمت في ضرب منشأة فوردو.. تملك قدرة اختراق هائلة.. لكنها ليست مفتاحا سحريا لكل جبل أو منشأة مدفونة.. فطبيعة الصخور وتصميم الأنفاق ومواقع المداخل والتهوية.. كلها عوامل تحدد نتيجة الضربة.
والفارق كبير بين تعطيل منشأة أو تدمير مداخلها وبين محو ما بداخلها.. وهذه هي العقدة التي تجعل جبل الفأس أكثر من مجرد هدف عسكري.
وقد قال ترامب في أكتوبر ان الولايات المتحدة قد تضطر إلى استهداف الموقع.. لكنه أكد أنه لا يرى حاجة إلى استخدام سلاح نووي.. وهو ما يجعل الضربة التقليدية احتمالا قائما.. بينما تظل المزاعم بشأن قرار نووي وشيك ادعاءات لم تثبت.
إيران والوكالة الدولية.. مساحة الغموض الخطرة
في المقابل.. تتمسك طهران بأن برنامجها النووي سلمي.. وترفض أن تتحول المخاوف الغربية إلى مبرر لضرب منشآتها أو فرض شروط سياسية عليها.. لكن موقفها لا يلغي الأسئلة التي تطرحها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فالوكالة تقول إنها فقدت القدرة على التحقق من وضع المواد والمنشآت النووية الإيرانية بعد الضربات التي تعرضت لها.. وإنها لا تستطيع استكمال الرقابة على مخزون اليورانيوم المخصب.. ومنه ما وصل إلى نسبة 60 في المئة.
وهذه النسبة تثير القلق لأنها تضع إيران على مسافة تقنية أقصر من مستوى التخصيب المستخدم عادة في إنتاج الوقود النووي ذي الدرجة العسكرية.. لكنها لا تعني أن طهران تمتلك قنبلة نووية.. ولا تثبت أنها اتخذت قرارا بصنعها.
إذن نحن أمام روايتين لا يجوز إسقاط إحداهما.. إيران تنفي السعي إلى السلاح.. والوكالة تقول إنها لا تملك ما يكفي من المعلومات للتحقق من طبيعة البرنامج ومخزوناته.. وبين النفي وغياب الرقابة تتسع مساحة الشك.. ويصبح الغموض نفسه وقودا للتصعيد.
وفي الثالث من نوفمبر.. ظلت المفاوضات بين واشنطن وطهران متعثرة.. إذ ربطت إيران استئناف المحادثات برفع العقوبات النفطية وانهاء الحصار البحري والإفراج عن أموالها المجمدة.. بينما تمسكت واشنطن بمطالبها.. وسط وساطة قطرية وتحذيرات إيرانية من رد قوي إذا عادت الضربات.
ترامب ونتنياهو.. تحالف المصالح لا تطابق الحسابات
لا يمكن فهم المشهد من دون النظر إلى العلاقة بين ترامب ونتنياهو.. فالرجلان تجمعهما شراكة سياسية واستراتيجية وثيقة.. عززها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان واتفاقيات أبراهام والدعم الأمريكي الواسع للحكومة الإسرائيلية.
لكن التحالف لا يعني تطابق الحسابات في كل شيء.. نتنياهو يريد إنهاء التهديد الإيراني.. ويرى أن استمرار الضغط العسكري ضرورة أمنية.. بينما ينظر ترامب إلى كلفة الحرب على المصالح الأمريكية وأمن القوات والقواعد وأسواق الطاقة ومكانة بلاده الدولية.
إنها شبكة مصالح مشتركة.. لكنها لا تجعل نتنياهو صاحب القرار الأمريكي.. فالضغط الإسرائيلي قد يؤثر في حسابات واشنطن.. لكنه لا يلغي أن قرار استخدام السلاح النووي يظل قرارا أمريكيا.. وأن تبعاته ستتجاوز حدود إسرائيل وإيران.
كارلسون.. هل يدفع نتنياهو ترامب نحو الزر النووي؟
في الثاني من نوفمبر.. أعاد المعلق الأمريكي تاكر كارلسون فتح باب بالغ الخطورة.. حين زعم أن بنيامين نتنياهو يمارس ضغوطا على دونالد ترامب لدفعه إلى استخدام سلاح نووي ضد إيران.. وتحديدا لاستهداف المنشآت المحصنة في جبل الفأس.. بل وذهب الى احتمال وقوع ضربة نووية خلال ايام.
لم يكن الأمر مجرد تكهن عابر في حديث إعلامي.. فقد وضع كارلسون العلاقة بين ترامب ونتنياهو في قلب سيناريو بالغ الخطورة.. مفاده أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يدفع واشنطن إلى تجاوز حدود الضربة التقليدية.. وصولا إلى السلاح الذي لم يستخدم في الحرب منذ هيروشيما وناجازاكي.
لكن البيت الأبيض رفض هذه المزاعم.. مؤكدا أن كارلسون لا يملك معرفة بالتخطيط العسكري الأمريكي أو بما يدور في ذهن الرئيس.. كما أن ترامب سبق أن قال إنه لا يرى حاجة إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران.
وهنا ينبغي الفصل بين الادعاء والحقيقة.. فلا يوجد دليل مستقل يثبت أن نتنياهو طلب بالفعل من ترامب توجيه ضربة نووية.. ولا أن الإدارة الأمريكية تدرس قرارا وشيكا من هذا النوع.
لكن أهمية ما قاله كارلسون لا تكمن في إثبات السيناريو.. وإنما في كشف حجم القلق من أن تتحول العلاقة الوثيقة بين الرجلين إلى عامل ضغط في لحظة شديدة الحساسية.
فهل يستطيع ترامب أن يضع حدودا لرغبة نتنياهو في الحسم العسكري؟ أم أن شبكة المصالح والتحالفات قد تدفع واشنطن إلى خيارات تتجاوز حساباتها الأصلية؟
هل يمكن أن تكون القنبلة النووية محدودة؟
يبدو وصف “السلاح النووي التكتيكي” وكأنه محاولة لتخفيف وقع الاسم.. لكنه لا يغير حقيقة أن استخدام القنبلة النووية.. مهما كان نطاقه.. قد يفتح بابا للتصعيد لا يمكن التحكم في مساره.
فأي ضربة نووية ضد إيران لن تكون مجرد عملية عسكرية لتدمير هدف محصن.. بل ستكون كسرا للمحظور الذي حكم العلاقات الدولية منذ هيروشيما وناجازاكي.. وقد تجد قوى نووية أخرى نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها.. بينما تصبح المنطقة كلها عرضة لارتدادات عسكرية وسياسية وبيئية يصعب احتواؤها.
والأخطر أن تدمير جبل الفأس.. حتى لو تحقق.. لن يمحو المعرفة النووية الإيرانية.. ولن يضمن إنهاء طموحات طهران.. فالقنابل تستطيع تدمير المباني والأنفاق.. لكنها لا تستطيع محو العلم من العقول.. أو ضمان اختفاء الدوافع السياسية والأمنية التي صنعت الأزمة.
القانون الدولي.. من يحاسب من يملك الزر؟
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا.. ماذا لو تجاوزت واشنطن بالفعل الخط الأحمر واستخدمت سلاحا نوويا ضد إيران؟ هل توجد قوة قانونية دولية تستطيع محاسبة الدولة التي ألقت أول قنبلتين ذريتين في التاريخ؟
في عام 1996.. أصدرت محكمة العدل الدولية رأيا استشاريا تاريخيا بشأن مشروعية التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها.. وأكدت خضوعها لقواعد القانون الدولي الإنساني.. وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والعسكريين وحظر الهجمات العشوائية ومبدأ التناسب.. لكنها تركت دون حسم نهائي مسألة مشروعية استخدامها في حالة استثنائية تتعلق ببقاء الدولة ذاته.
أما المحكمة الجنائية الدولية.. فعلى الرغم من اختصاصها بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.. فإن ملاحقة مسؤولين أمريكيين ستصطدم بعقبة الاختصاص القضائي.. فالولايات المتحدة ليست طرفا في نظام روما الأساسي.. كما أن إحالة القضية من مجلس الأمن ستواجه احتمال استخدام واشنطن حق النقض الذي تملكه بوصفها عضوا دائما فيه.
وهنا تتجلى مفارقة النظام الدولي.. فالقانون يضع قيودا على استخدام القوة.. لكنه لا يمتلك دائما الأدوات اللازمة لفرضها على القوى الكبرى.. وقد تصبح المساءلة رهينة الموازين السياسية أكثر من كونها نتيجة تلقائية للانتهاك.
لقد مرت هيروشيما وناجازاكي دون محاكمة جنائية دولية للمسؤولين الأمريكيين عن إلقاء القنبلتين.. ورغم ان محكمة طوكيو المحلية اعتبرت القصف انتهاكا لقوانين الحرب.. فإن ذلك لم يتحول إلى عقوبة على واشنطن.
فهل يعيد التاريخ إنتاج المشهد نفسه؟ ان يستخدم الأقوى سلاحه.. ثم يقف العالم أمام أنقاض الضحايا عاجزا عن تحويل الإدانة الأخلاقية الى مساءلة قانونية؟
هنا تعود مأساة ترومان إلى الواجهة.. فقد استخدم القنبلة لإنهاء حرب.. لكنه لم يستطع إعادة العالم إلى ما قبل استخدامها.. بل أطلق سباقا نوويا جعل البشرية تعيش عقودا تحت ظلال التهديد المتبادل.
أما ترامب.. فيتحرك داخل عالم مختلف تماما.. عالم لا تحتكر فيه واشنطن السلاح.. ولا تستطيع فيه ضمان أن تبقى الضربة محصورة في حدود الهدف الذي اختارته.
في هيروشيما.. استخدم ترومان السلاح.. وفي زمن ترامب.. ينفي الرئيس نية استخدامه.. وبين الاستخدام والنفي.. تقف ذاكرة مدينة لم تعد قادرة على أن تكون مجرد ذكرى.
فهل تكفي الكلمات هذه المرة لإبعاد شبح هيروشيما؟ ان التاريخ لا يكرر نفسه بالطريقة ذاتها.. وإنما يعيد إلينا أسئلته القديمة في ثياب جديدة ..










