أحمد محمد صلاح يكتب: بنية العقل المصري “رفاعة الطهطاوي 2”

حجم الدور الذي لعبه رفاعة الطهطاوي في الثقافة المصرية، وتجديد العقل المصري وبنيته، يعد هو النافذة التي دخلت منها رياح الليبرالية إلى الجسد المصري الذي عانى على مدار قرونا من التغييب والجهل والجمود.
ولكن قبل التعرض لطبيعة القضايا وموقف مفكر مثل رفاعة الطهطاوي منها ينبغي إقامة بعض المسائل التي قد تعيننا علي فهم حجم الدور الذي لعبه الطهطاوي والتيار الذي مثله خلال تلك المرحلة من التاريخ المصري باعتباره معبرا أساسيا من المعابر التي عبرت خلالها بلاده من عصر إلى عصر مغاير تماما.
أول هذه القضايا أن التغيير عندما حدث في مصر بدا من رأس الهرم، فمحمد علي جاء بمشروع ضخم، إدراكا منه لأهمية مصر، ليس فقط كقوة اقتصادية، ولكن كقوة ثقافية وحضارية، بعدما شاهد بنفسه انبهار المصريين بالحضارة الفرنسية، والرغبة التي بدأت تنبت كجذور خضراء في أرض تحتاج فقط لمن يسبقها ، تلك الرغبة المتمثلة في الانفتاح على الحضارة الأوروبية، كان محمد علي حاكم مستنير استوعب متغيرات العصر، واستطاع إزالة الركام الذي تخلف عن تهاوي النظام القديم أي المماليك، ثم تشييد بناء جديد في الإدارة والجيش والاقتصاد والسياسة.
ولا مندوحة أن نستطرد بعد عصر محمد علي ويخلفه عباس الأول والذي كان بحكم تكوينه النفسي والفكري على استعداد لتدمير البناء الذي تم تشييده بمعنى آخر، أن التغيير تم من أعلى ورفض التغيير تم من أعلى أيضا، الغريب أنه على الرغم من كل ذلك استمر التغيير رغم أنف عباس الذي ما أن يسقط عصره حتى يعود هذا التغيير بأشد ما كان من قبل سواء في عصر سعيد أو عهد إسماعيل.
غير أنه لا غرابة بتقدير الدور الذي لعبه رفاعة الطهطاوي والتيار الذي أصبح يمثله ابتداء من الشيخ حسن العطار، إلى عشرات المثقفين الذين تخرجوا من مختلف المعاهد التي أسسها أو قام بالتدريس فيها ليتحولوا إلى الأرض الصالحة التي زرع فيها التغيير الذي امتدت جذوره وتحول إلى طود ثابت على حسب تعبير د. يونان لبيب رزق
غير أن محمد علي نفسه قد تعرض من جانب العقول المنغلقة إلى الكثير من النقد، بسبب مشروعه في إحياء الحركة الثقافية، واعتبر المنغلقون من الأزاهرة والذين كفرو الشيخ حسن العطار بنفسه واتهموه بالعمالة نظرا لقربه من علماء الحملة، قد اتهموا محمد علي بالكفر والزندقة، لأنه يحاول أن يتعرف على علوم الكفار، وكانت أروقه الأزهرتشتعل بالمناقشات والمناوشات حول سفر البعثات واختلاطها بأهل أوروبا، وتعلمهم علوم الكفار، ولكن… كان محمد علي الأعلى صوتا والأقوى سلطة، والذكي أيضا، فأمر بسفر أربعة مشايخ كان منهم رفاعة الطهطاوي ليكونوا حراسا أو حماة دينيين لعدد من المبعوثين إلى باريس لدراسة العلوم الحديثة في مدرسة “البوليتيكنيك” تحت إشراف عدد من الأساتذة المرموقين منهم سلفستر ديساسي، كوسان دي برسفال، فرنسواز جومار، والأخير كان عضوا في الأكاديمية الفرنسية وشارك في الحملة الفرنسية على مصر، وفي إعداد كتاب وصف مصر، وكما التصق رفاعة بأستاذه حسن العطار، التصق في باريس بفرانسواز جومار.
وقبل أن ينطلق الفتي إلى باريس، نصحه العطار بأن يسجل كل ما يراه في باريس، فبدا في كتابة مذكراته منذ أن كان على سطح المركب، ليكون في النهاية كتاب تلخيص الإبريز في تلخيص باريز










