حازم البهواشي يكتب: إيه اللي رماك ع المُرّ؟!

هذا المثل الذي يُعبر عن اضطرار المرء أحيانًا إلى تجرُّع المُرّ بأي طريقة وفي أي شأن تلافيًا لما هو أشدُّ مرارةً!! فيقبلُ بالصعب تلافيًا لما هو أشد صعوبة، يقبل بمرارة الدواء تلافيًا لقسوة المرض!! وما أعذبَ المُرَّ إن كان الهدفُ نبيلًا!!
حين تقارن بين الجوع والذُّل أيهما تختار؟! بين الجوع والفضيحة أيهما تختار؟! بين العَيش في العراء والعَيش في بيت قديم أيهما تختار؟!
لا تتسرع في الاختيار، فليست ظروفُ الناس سواء، فهناك من يَرضى بمرارة الذُّل ويتجرعُها لكنه لا يتحمل قسوةَ الجوع!! هناك من يَرضى بتعارض المصالح فيعمل في جهتين المفترض ألا يجمعَ بينهما، لكنْ تحت قسوة (طلبات البيت والأولاد) يقبل بذلك، وربما يتنازل؛ فالأولاد مجبنةٌ مبخلة كما سمعتُ من أبي _ رحمه الله _ وهو يحارب هذه الفكرة!! لم يكن مستعدًا أن يخسرَ من سُمعتِه أو احترامِه لذاتِه شيئًا في مقابلِ مكسبٍ يتحققُ لأحدِ أبنائه!!
حين ترى الصحفي يعمل لدى مصدره، وتتوارى الحقيقةُ حِرصًا على المصلحة الشخصية، حين ترى المكسبَ الزائلَ يتحكمُ في ليِّ عُنق الحقائق، فاعلم أن الأمورَ ليست على ما يُرام، ولكن لا تلُم أحدًا بعينِه؛ فدائرةُ المسؤوليةِ واسعة، وإنك لا تدري ما بالناس من متاعبَ وهموم، وما عليهم من مسؤوليات!! وما مدى وعيِهم بما يعملون؟!
ولعل من أهم النصائح التي نصح بها (چاكسون براون) ابنَه في الكتاب الذي صدر بعد ذلك بعنوان (إرشادات الحياة)، النصيحةَ التي قال له فيها:(لا تتخلَّ عن ذرةٍ من استقامتِك في مقابلِ المال أو السُّلطة أو الشُّهرة، واحْــكــُـمْ على نجاحِك بما اضطُرِرْتَ للتخلي عنه حتى يتحقق).
كم من الوقتِ يُمكنك أن تأخذ لتقتنعَ بصحة هذا الكلام؟! وهل ستقتنع في الوقت المناسب؟! هل يمكن للدول أن تقتنعَ بصحة هذه النصيحة فتبني بلادَها على جدران العزة والكرامة ويستقر في وجدان شعوبٍ بأكملها الوعيُ بأهمية ذلك؟! ما أسهلَ الكلام! وما أصعبَ الأفعال!
ورحِمَ الله الصحابيَّ أبا الدّرداء (ت: 32هـ)؛ إذ كان منزلُه خاليًا فلمَّا سُئِل: أين متاعُك يا أبا الدّرداء؟! قال: (لنا دارٌ أُخرى نُرسِلُ إليها صالِحَ متاعِنا)!
تجرَّعِ المُرّ؛ فكل مُرٍّ سيَمُرّ، ولكن لا تقبلِ الذُّلّ.










