المفكر الاستراتيجى د.طارق هلال يكتب: عالم على حافة التحول .. صراع بلا حرب واقتصاد يختبر صموده

لم يعد العالم يدار وفق قواعد الاستقرار التقليدية، بل دخل مرحلة “اللايقين المنظم”، حيث لا حرب شاملة تندلع، ولا سلام مستقر يتحقق. في هذا المشهد المعقد، تتشابك الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية، وتتداخل التغيرات المناخية مع حسابات الطاقة، لتنتج واقعاً عالمياً هشاً، قابلاً للاهتزاز مع أي صدمة مفاجئة.
في قلب هذه التحولات، تبرز ظاهرة “النينيو” كأحد العوامل المؤثرة بعمق، بعدما تسببت في اضطرابات مناخية حادة أثرت على الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد العالمية. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد حدث بيئي عابر، بل تحولت إلى عنصر ضغط اقتصادي مباشر، يدفع نحو ارتفاع الأسعار ويفاقم من معدلات التضخم، خاصة في الدول الأكثر هشاشة.
وفي موازاة ذلك، تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاختبارات متكررة، نتيجة التوترات الجيوسياسية والاختناقات اللوجستية، لتبقى عرضة لأي اضطراب جديد. ويزداد المشهد تعقيداً مع التوترات في مناطق حيوية مثل مضيق هرمز، حيث تنعكس أي أزمة حتى وإن بدت محدودة على أسعار الطاقة العالمية، وهو ما ظهر جلياً إذ يتحرك سعر النفط إلى أعلى مستوياتة مقارنة بالذروات السابقة ، في مؤشر على هشاشة سوق الطاقة.
وفي هذا السياق، جاءت أزمة السفينة الإيرانية “توكاس” لتسلط الضوء على حساسية أمن الملاحة، حيث لا يقاس تأثير مثل هذه الحوادث بحجمها المباشر، بل بتداعياتها على ثقة الأسواق، واحتمالات توظيفها كورقة ضغط ضمن سياق أوسع، خاصة مع تزامنها مع مفاوضات مرتقبة في الثانى والعشرين من أبريل الجارى، التي تأتي في مناخ دولي شديد التعقيد.
وعلى صعيد التوازنات الإقليمية، تكتسب مفاوضات إسلام آباد أهمية خاصة، ليس فقط لطبيعة الملفات المطروحة، بل لدخول أطراف جديدة إلى مسار التفاوض، في دلالة واضحة على إعادة تشكيل موازين القوى، وسعي قوى إقليمية لفرض حضورها في مشهد لم يعد حكراً على اللاعبين التقليديين.
أما الاتحاد الأوروبي، فيقف في موقع حذر، تحكمه حسابات داخلية تتعلق بالطاقة والتضخم، ما يجعله أقرب إلى دور الموازن منه إلى الفاعل المبادر. وفي المقابل، تستمر الولايات المتحدة في دعمها لإسرائيل، انطلاقاً من اعتبارات استراتيجية ممتدة، رغم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي، من ارتفاع أسعار الفائدة إلى تباطؤ النمو، وهو ما قد يفرض مراجعات تدريجية في السياسات على المدى المتوسط.
وسط هذا الاضطراب، تبرز الصين كلاعب مختلف، ربما يكون الأكثر استفادة من المشهد الراهن. فبكين نجحت في تعزيز نفوذها الدبلوماسي والاستخباراتي دون الانخراط في مواجهات مباشرة، معتمدة على نهج هادئ يقوم على التمدد التدريجي وبناء الشراكات طويلة الأمد.
وقد دعمت هذا التوجه بتوظيف متقدم لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي مكنتها من تحليل البيانات الضخمة، وتحديد الأهداف الاستراتيجية بدقة، واتخاذ قرارات أكثر كفاءة بأقل تكلفة. وهو ما منحها ميزة تنافسية في عالم يتجه سريعاً نحو الرقمنة والتحليل الذكي.
وفي قطاع الطاقة، استفادت الصين بشكل واضح من التحول العالمي نحو الطاقة الجديدة والمتجددة، حيث استثمرت مبكرًا في هذا المسار، ما أتاح لها تعزيز قدراتها المحلية، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والفحم. ورغم امتلاكها قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي في بعض مصادر الطاقة، فإنها لا تزال تعتمد بشكل ملحوظ على الخارج، خصوصاً في النفط والغاز، وهو ما دفعها إلى تنويع مصادرها وتعزيز حضورها في مناطق الإنتاج حول العالم.
هذا التوازن بين الاكتفاء النسبي والاعتماد الخارجي لم يكن نقطة ضعف، بل تحول إلى دافع لتعزيز النفوذ، ضمن استراتيجية أوسع لتأمين سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر. كما اتبعت بكين سياسة “المساعدات الصامتة”، مقدمة دعماً اقتصادياً وتقنياً دون ضجيج، ما عزز صورتها كشريك موثوق، وفتح أمامها مجالات نفوذ ممتدة.
في المحصلة، يبدو أن العالم يقف أمام لحظة فارقة، حيث تتقاطع أزمات المناخ مع اضطرابات الطاقة، وتتداخل الحسابات السياسية مع الضغوط الاقتصادية، في مشهد قد يقود إلى أزمة عالمية إذا لم يتم احتواؤه بحكمة. ومع ذلك، لا يزال هناك هامش للتحرك، إذا ما نجحت القوى الكبرى في إدارة تنافسها بدلاً من تصعيده.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحن أمام أزمة عابرة ستدار كما سبق،
أم أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل شاملة، تعيد رسم موازين القوة والنفوذ لعقود قادمة؟










