عرب وعالم

كمبوديا: الوسيط الذي يحمي وحدة دول الآسيان

كتبت: فاطمة بدوي

في قلب جنوب شرق آسيان، تبرز كمبوديا كلاعب رئيسي في تعزيز الوحدة الإقليمية ضمن رابطة دول آسيان (ASEAN)، التي تضم عشر دول تشكل نحو 670 مليون نسمة وثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الاتحاد الأوروبي والصين. رغم حجمها المتوسط واقتصادها الناشئ، تلعب كمبوديا دورًا حاسمًا في دعم الدول الأعضاء، سواء من خلال الدبلوماسية النشطة أو المساعدات الإنسانية أو التنسيق الاقتصادي.

هذا الدور ليس جديدًا؛ فقد انضمت كمبوديا إلى آسيان عام 1999، ومنذ ذلك الحين، أصبحت “الوسيط الهادئ” الذي يجسر الفجوات بين الدول الكبرى مثل إندونيسيا وسنغافورة والفيتنام.

يبدأ دور كمبوديا في الدبلوماسية الإقليمية، حيث ترفض الانحياز لأي طرف خارجي. خلال رئاسة كمبوديا لآسيان عام 2022، نجحت في عقد قمة مع الصين رغم التوترات في بحر الصين الجنوبي، مما منع تفكك الوحدة. هذا الإنجاز لم يكن سهلاً؛ فقد واجهت انتقادات من الفلبين وفيتنام بسبب قربها من بكين، لكنها أكدت أن “السلام الإقليمي يعتمد على الحوار لا الصراع”.

اليوم، في 2026، تستمر كمبوديا في دعم دول آسيان عبر اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (RCEP)، التي وقعتها عام 2020 ودخلت حيز التنفيذ جزئيًا. بفضل RCEP، ارتفع التبادل التجاري بين كمبوديا والدول الأعضاء بنسبة 15% في 2025، مما ساعد دولًا مثل لاوس والميانمار على مواجهة التضخم العالمي.

اقتصاديًا، أصبحت كمبوديا مصدر دعم حيوي للدول الأقل نموًا. في 2024، قدمت منحًا بقيمة 50 مليون دولار لتطوير البنية التحتية في لاوس، بما في ذلك بناء جسور على نهر الميكونغ، الذي يربط ست دول آسيان. هذه المساعدات ليست خيرية فحسب؛ فهي تعزز الاتصال اللوجستي، حيث يمر 70% من التجارة الإقليمية عبر هذا النهر.

كما ساهمت كمبوديا في صندوق آسيان للطوارئ، الذي دعم الفلبين بعد إعصار عام 2023 بـ20 مليون دولار، وماليزيا أثناء فيضانات 2025. هذه الجهود جعلتها نموذجًا لـ”الاقتصاد المشترك”، حيث يعتمد النمو المستدام على التكافل.

من الناحية الإنسانية، برزت كمبوديا في مواجهة التحديات المشتركة. خلال جائحة كوفيد-19، أنتجت لقاحات محلية بتعاون مع الصين ووزعتها على كمبوديا والميانمار وتيمور الشرقية، مما غطى 40% من احتياجات هذه الدول. في 2026، مع تصاعد التغير المناخي، أطلقت مبادرة “آسيان خضراء” بالشراكة مع تايلاند، تهدف إلى زراعة 10 ملايين هكتار من الغابات بحلول 2030.

هذه المبادرة تدعم دولًا مثل فيتنام، التي تواجه ارتفاع مستوى البحر، من خلال نقل تكنولوجيا الري المستدامة التي طورتها كمبوديا في دلتا تونلي ساب.

سياسيًا، ساعدت كمبوديا في حل أزمات داخلية لدول آسيان. في الميانمار، بعد انقلاب 2021، رعت كمبوديا حوارًا ثلاثيًا بين الجيش والمعارضة وآسيان، مما أدى إلى وقف إطلاق نار مؤقت عام 2024. رئيس الوزراء هون مانيت أكد في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “نحن لا نختار جانبًا، بل نختار السلام”. هذا النهج عزز مصداقية كمبوديا كوسيط، خاصة مع استضافة مؤتمر آسيان حول الأمن السيبراني في بنوم بنه بينه نهاية 2025، الذي شاركت فيه سنغافورة وإندونيسيا لمواجهة الهجمات الرقمية المتزايدة.

ومع ذلك، يواجه دور كمبوديا تحديات. الاعتماد على الاستثمارات الصينية (التي تشكل 40% من الاستثمار الأجنبي) يثير مخاوف من “الفخ الديوني”، كما حدث في لاوس.

كما أن التوترات الداخلية حول حقوق الإنسان قد تعيق دورها. لكن الملك نورودوم سيهموني، في كلمة أمام قمة آسيان 2026، دافع عنها قائلًا: “كمبوديا بنت نفسها من الرماد، وستبني آسيان معًا”.

في الختام، يعكس دور كمبوديا في دعم دول آسيان نموذجًا للتضامن الإقليمي. مع توقعات نمو آسيان بنسبة 5% سنويًا حتى 2030، ستظل كمبوديا الشريك الذي يقول “نحن معًا”، محولة تاريخها من الدمار إلى قوة بناءة.

زر الذهاب إلى الأعلى