أخبار المحروسة

جسر الذهب والنيل: كيف ترسم مصر وبروناي لوحة تعاون آسيوي-عربي متميز

كتبت: فاطمة بدوي

في عالم يتسارع فيه التحالفات الدولية، تبرز علاقات مصر وبروناي كقصة نجاح هادئة ولكنها عميقة، تجمع بين أميركتين متناقضتين: حضارة النيل القديمة وثراء سلطنة الزيت الآسيوية. منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في عام 1984، شهدت الروابط بين القاهرة وبندر سري بيغاوان نموًا مستدامًا، يعكس احترامًا متبادلًا للثقافات والمصالح المشتركة. هذه العلاقات ليست مجرد بروتوكولات رسمية، بل شراكة استراتيجية تجمع بين الاقتصاد والدين والثقافة، مما يجعلها نموذجًا للتعاون جنوب-جنوب.

بدأت القصة الدبلوماسية بزيارة تاريخية للسلطان حسن بولقيه ، سلطان بروناي، إلى مصر في عام 1984، حيث وقّع اتفاقيات تعاون في مجالات الصحة والتعليم. ردًا على ذلك، زار الرئيس المصري الراحل حسني مبارك بروناي في 1991، مما عزز الروابط. في السنوات الأخيرة، أكدت زيارة وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري إلى بروناي في 2023 على الالتزام المشترك بتعزيز الشراكة، خاصة في ظل تحديات ما بعد كوفيد-19. اليوم، يعمل السفير المصري في بندر سري بيغاوان، محمد العيسوي، على تنسيق 12 اتفاقية ثنائية سارية، تغطي التجارة والاستثمار والسياحة.

اقتصاديًا، تكمن القوة في التبادل التجاري النامي. بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 50 مليون دولار أمريكي في 2024، مع تركيز مصري على تصدير المنتجات الزراعية والأدوية، مقابل واردات بروناي للأسمدة والآلات الثقيلة من مصر. بروناي، الغنية بنفطها وغازها، استثمرت في مشاريع مصرية مثل تطوير حقول غاز في البحر المتوسط، بالشراكة مع شركة “شل” البرونايية. كما أطلقت بروناي مبادرة لدعم الصناعات الدوائية المصرية بقيمة 20 مليون دولار، مما ساعد في تعزيز صادرات مصر إلى آسيا.

هذا التعاون يعكس رؤية “حزام واحد طريق واحد” الصينية، حيث تُعد مصر بوابة أفريقيا وبروناي حلقة وصل آسيوية.
لكن الروابط الثقافية والدينية هي الجوهر الحقيقي. يشترك البلدان في الإسلام كدين رسمي، مع احتفاء مشترك بالمناسبات مثل عيد الفطر. بروناي، التي تُعرف بـ”أرض السلام الدائم”، ترى في مصر مركزًا للعلم الإسلامي، حيث يدرس مئات الطلاب البروناييين في الأزهر الشريف. في 2022، تبرعت بروناي بمليون دولار لدعم ترميم المسجد الأزهري، رمزًا للوحدة الإسلامية. كما أقيمت معارض فنية مشتركة في القاهرة وبندر سري بيغاوان، تعرض تحفًا من العصر الفاطمي بجانب فنون الملايو التقليدية. السياحة أيضًا مزدهرة؛ زار 5 آلاف سائح برونايي الأهرامات في 2024، بينما يستمتع المصريون بشواطئ بروناي الاستوائية.

دبلوماسيًا، يدعمان بعضهما في المنظمات الدولية. في منظمة التعاون الإسلامي، تتقاطع مواقفهما حول فلسطين وقضايا الشعوب المسلمة. بروناي دعمت مصر في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بينما ساعدت القاهرة سلطنة بروناي في مفاوضاتها مع آسيا الجنوبية الشرقية. خلال جائحة كورونا، أرسلت مصر لقاحات “سينوفارم” إلى بروناي، مقابل مساعدات غذائية برونايية لمصر.

التحديات موجودة، مثل البعد الجغرافي والاعتماد على النفط، لكن الفرص أكبر. اقتراحات مستقبلية تشمل اتفاقية تجارة حرة ثنائية بحلول 2027، ومشروعًا مشتركًا للطاقة المتجددة في صحراء سيناء بتمويل برونايي. كما يُفكر في إنشاء مركز ثقافي مشترك في كل عاصمة.

في الختام، علاقات مصر وبروناي ليست مجرد صفحات في كتب الدبلوماسية، بل جسر يربط بين النيل والمحيط الهندي، يعد بمستقبل مزدهر. في زمن التوترات العالمية، يُثبت هذا الثنائي أن التعاون الهادئ يبني إمبراطوريات السلام.

زر الذهاب إلى الأعلى