عرب وعالم

بروناي.. الجسر النفطي الذي يربط آسيا بالاستقرار

كتبت: فاطمة بدوي

في قلب جنوب شرق آسيا، تبرز سلطنة بروناي الدار السلام، دولة صغيرة الحجم لكنها كبيرة التأثير، كلاعب رئيسي في دعم دول المنطقة الآسيوية. بروناي، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 450 ألف نسمة ومساحتها 5,765 كيلومتر مربع، تمتلك ثروة نفطية هائلة تجعلها واحدة من أغنى الدول عربيًا وآسيويًا.

معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد فيها يتجاوز 30 ألف دولار سنويًا، مما يمنحها القدرة على لعب دور داعم اقتصاديًا وسياسيًا. لكن دورها لا يقتصر على الثروة؛ إنها نموذج للدعم الإقليمي المتوازن، يعتمد على الدبلوماسية الهادئة والشراكات الاستراتيجية.

منذ استقلالها الكامل عام 1984، انخرطت بروناي في منظمة آسيان (ASEAN) كعضو مؤسس، حيث ساهمت في تعزيز الوحدة الإقليمية. في قمة آسيان 2021 التي استضافتها بروناي افتراضيًا بسبب جائحة كورونا، أعلنت عن مساهمات مالية تصل إلى 10 ملايين دولار لدعم الصحة العامة في الدول الأعضاء.

كما قدمت منحًا دراسية لـ500 طالب من دول مثل فيتنام وإندونيسيا ولاوس، مما يعكس التزامها ببناء القدرات البشرية. هذا الدعم لم يكن استثنائيًا؛ ففي 2023، خصصت بروناي 50 مليون دولار لصندوق آسيان للتنمية المستدامة، الذي يساعد كمبوديا والفلبين في مشاريع الطاقة المتجددة.

اقتصاديًا، يأتي دعم بروناي من خلال استثماراتها في البنية التحتية. شركة “بروناي شل بتروليوم” (BSP) وقّعت اتفاقيات مع ماليزيا وسنغافورة لتوريد الغاز الطبيعي السائل، بقيمة 2 مليار دولار سنويًا، مما يدعم أمن الطاقة الإقليمي.

كما استثمرت في ميناء باتام في إندونيسيا، مشروعًا بـ1.2 مليار دولار يعزز التجارة البحرية. هذه الاستثمارات لا تقتصر على الربح؛ فهي تخلق آلاف الوظائف وتنقل التكنولوجيا، كما في مشروع الطاقة الشمسية مع تايلاند عام 2024، الذي يغطي 20% من احتياجاتها الريفية.
سياسيًا، تُعرف بروناي بمواقفها الوسطية.

في نزاع بحر الصين الجنوبي، حافظت على حيادها مع الدفاع عن حقوقها عبر “خط تي”، لكنها دعت إلى حوار آسياني، مما ساعد في تجنب التصعيد. السلطان حسنال بولكيه مولى عبد الله، الذي تولى الحكم منذ 1967، زار الصين والهند واليابان، محولاً بروناي إلى جسر دبلوماسي. في 2025، استضافت قمة آسيان-الخليج، حيث وعدت بـ100 مليون دولار لدعم مكافحة الفقر في ميانمار وفيتنام، رغم التحديات السياسية هناك.

اجتماعيًا، يمتد دعم بروناي إلى المساعدات الإنسانية. بعد إعصار ياي عام 2021 في الفلبين، أرسلت 5 ملايين دولار وفرقًا طبية، بينما ساعدت في إعادة إعمار سريلانكا بعد فيضانات 2022 بـ20 مليون دولار. برنامج “بروناي دار السلام” للمنح الدراسية شمل 2,000 طالب آسيوي حتى 2025، مع التركيز على التعليم الإسلامي والتكنولوجيا. كذلك، ساهمت في مبادرة آسيان للقضاء على الجوع، مانحة 15 مليون دولار لزراعة الأرز في لاوس.

ومع ذلك، يواجه دور بروناي تحديات. الاعتماد على النفط (90% من الصادرات) يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار، خاصة مع الانتقال العالمي للطاقة الخضراء. كما أن سياساتها الداخلية المحافظة، مثل تطبيق الشريعة، أثارت انتقادات غربية، لكنها حافظت على علاقاتها الآسيوية.

في المستقبل، يُتوقع أن تعزز بروناي دورها عبر “رؤية 2035″، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الشراكات مع آسيان.

في الختام، بروناي ليست مجرد دولة نفطية؛ إنها شريك استراتيجي يدعم استقرار آسيا بدبلوماسية حكيمة ومساهمات ملموسة. دورها يثبت أن القوة لا تقاس بالحجم، بل بالتأثير.

زر الذهاب إلى الأعلى