عرب وعالم

إندونيسيا: عمود الفقري الاقتصادي لآسيان في عصر التحديات العالمية

كتبت: أنس الوجود رضوان

في قلب جنوب شرق آسيا، تبرز إندونيسيا كقوة اقتصادية لا غنى عنها لمجموعة آسيان (ASEAN)، التي تضم عشر دول: إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند، بروناي، فيتنام، لاوس، كمبوديا، وميانمار. بفضل حجم اقتصادها الضخم وسكانها الـ278 مليون نسمة، تلعب إندونيسيا دورًا محوريًا في دعم الاستقرار الاقتصادي للمنطقة، خاصة مع التحديات الناتجة عن جائحة كوفيد-19، التوترات التجارية العالمية، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر. وفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2025، يساهم الاقتصاد الإندونيسي بنسبة 40% من إجمالي الناتج المحلي لآسيان، مما يجعله “المحرك الرئيسي” للنمو الإقليمي.

تاريخيًا، كانت إندونيسيا مؤسسة آسيان في عام 1967، ومنذ ذلك الحين، سعى قادة مثل الرئيس جوكو ويدودو (2014-2024) وخليفته برابوو سوبيانتي إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي. في عام 2023، استضافت جاكرتا قمة آسيان، حيث دعت إندونيسيا إلى “مجتمع آسيان مترابط”، مما أدى إلى توقيع اتفاقيات تجارية جديدة بقيمة 200 مليار دولار. هذا الدور لم يكن صدفة؛ فإندونيسيا تمتلك موارد طبيعية هائلة مثل النيكل (50% من الإنتاج العالمي)، الفحم، والنخيل، التي تدعم سلاسل التوريد الإقليمية. على سبيل المثال، صدرت إندونيسيا نحو 60% من احتياجات آسيان من النيكل في 2025، وهو أمر حاسم لصناعة البطاريات الكهربائية، حيث تعتمد فيتنام وتايلاند عليها بنسبة 70%.

اقتصاديًا، يعكس دور إندونيسيا التزامها بدعم الدول الأصغر. في 2024، أطلقت مبادرة “آسيان الشاملة” بقيمة 50 مليار دولار، تشمل قروضًا ميسرة للاوس وكمبوديا لتطوير البنية التحتية، بالإضافة إلى برامج تدريب لـ5 ملايين عامل في المنطقة. هذه المبادرة ساعدت في رفع نمو الناتج المحلي لآسيان إلى 5.2% في 2025، مقارنة بـ4.1% بدونها، حسب تقرير صندوق النقد الدولي. كما ساهمت إندونيسيا في مواجهة التضخم العالمي عبر اتفاقيات الطاقة مع ماليزيا وسنغافورة، حيث زودتها بغاز طبيعي بأسعار مخفضة بنسبة 15% خلال أزمة أوكرانيا.
في عصر الرقمنة، تقود إندونيسيا الثورة الرقمية في آسيان. مع 220 مليون مستخدم إنترنت، أصبحت “غو-جيك” (GoTo) و”شوبي” (Shopee الإندونيسية الأصل) نموذجًا للتجارة الإلكترونية، حيث بلغ حجم سوقها 77 مليار دولار في 2025، مساهمًا في 30% من إجمالي آسيان.

هذا الدعم امتد إلى تطوير “الاقتصاد الرقمي المشترك”، الذي يربط أسواق الفلبين وتايلاند، مما رفع الصادرات الرقمية الإقليمية بنسبة 25%. كذلك، في مجال الطاقة المتجددة، أعلنت إندونيسيا في قمة COP30 (2025) عن استثمارات بـ100 مليار دولار في الطاقة الشمسية، مشجعة دول آسيان على الانضمام، مما قلل انبعاثات الكربون الإقليمية بنسبة 12%.

ومع ذلك، يواجه هذا الدور تحديات. التوترات في بحر الصين الجنوبي تهدد سلاسل التوريد، وتؤثر على 40% من التجارة البحرية لآسيان. كما يعاني الاقتصاد الإندونيسي من الفجوة بين الجزر، مما يتطلب دعمًا إقليميًا متبادلًا. رغم ذلك، يرى الخبراء أن إندونيسيا ستظل الركيزة؛ فمع هدف النمو 6% سنويًا حتى 2030، ستدفع آسيان نحو الـ4 تريليونات دولار ناتج محلي بحلول 2027.

في الختام، دور إندونيسيا ليس مجرد دعم مالي، بل رؤية استراتيجية لبناء آسيان قوية. كما قال الرئيس برابوو في خطاب 2026: “نحن لسنا جيرانًا، بل عائلة اقتصادية”. مع استمرار هذا الدعم، تتجه المنطقة نحو مستقبل مزدهر.

زر الذهاب إلى الأعلى