حازم البهواشي يكتب: اعترافات مُسِن

خرجنا من صلاة الفجر، يتشابك ذراعُه مع ذراعي، وهو يمشي بخطى متثاقلةٍ بطيئةٍ قصيرة، يَجُرُّ فيها قدميه على الأرض، المنطقة هادئة، والنسيم عليلٌ مُنعِش، والنفوس تشعر بالراحة؛ إذ خلت الأجواءُ من أنفاس المنافقين!!
وبصوت خفيض _ أسمعه بحكم الجوار _، بدأ صديقي المُسِن يردد ويكرر: (يا رب اغفر لي وسامحني، يا رب اغفر لي وسامحني)، قلتُ له مازحًا وبصوتٍ عالٍ: (اسمع يا حاج “علي”، أنت اتشاقيت كتير وأنت شباب)!! فعلا صوتُه _ حتى لفت أنظار البعيدين عنا الخارجين من مسجدٍ آخر _ وهو يرد: (أوي، أوي، أوي) يعني (كثيرًا جدًّا)!! ثم أردف قائلًا: (اسمع يا ابني، أنا كان عندي عافية، لم أتخيل أبدًا في وجودها أنه سيأتي اليوم الذي أُضطر فيه إلى أن أستندَ على شخصٍ آخرَ كي أستطيعَ السير)!!
قلتُ لصديقي المُسِن: سبحان من يُغير ولا يتغير، وبسماحة وجهه التي عهدتُها مذ عرفتُه، قال لي: (صحيح، لكننا نغتر بالقوة، فإذا خانتنا صحتُنا، تذكرنا نعمةَ الله، والآن حين أسمع قوله تعالى: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” (النحل _ 18) أقول: صدق ربُنا، وصدق رسولُه إذ قال: (نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغ).
أردف صديقي يتحدث إليَّ بحكمة التجربة والزمان فقال: (اسمع يا ابني، عمرك وقت، وما دام مافيش أغلى من عمرك، يبقى مافيش أغلى من الوقت!! والواحد فينا يحب يفضل قوي، يبقى لازم يحافظ على صحته، والله المستعان)!!
قلتُ لصديقي المُسِن: وهل تشعر بالحُزن لتبدُّل الأحوال؟! قال: (سبحان من منع فمنح، منع عني القوة ومنحني الرضا، بالك يا ابني، أنا بدأت أفكر في العطايا من وراء البلايا، فخطواتي المتثاقلة تهديني حسناتٍ أكثر عند الذهاب للمسجد، وأوجاعي تمنح لساني فرصة أن يقول دومًا: “يا رب يا رب”).
قلتُ لصديقي المُسِن: وبم تنصحني بعد هذا العُمر؟! ردّ قائلًا: (بسلامة القلب، فلا يحمل إلا خيرًا، وهذا يؤجل شيخوخته، ويجعله شبابًا، وباستثمار الوقت أقصد العمر، فإذا انتهى رصيد العمر في الدنيا وجدتَ نفسك قد أنجزتَ فيه ما تلقاه في الآخرة وأنت مقبل على الله بقلبٍ سليم).










