السيد خلاف يكتب: “الناتو العربي” وصراع اللوبيات .. من يعرقل النظام الإقليمي الجديد ؟!

هل تتحرك مصر باتجاه إعادة تشكيل النظام الأمني في منطقة الشرق الأوسط وخاصة المنطقة العربية ؟
والإجابة لن تكون بمعزل عن جولة وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبدالعاطي إلى عدد من الدول الخليجية والتقاء قادتها ومواقف بعض الدول من تحرك مصر في الظل بين التأييد والرفض وطريقة الخروج من تحت العباءة الأمريكية ودور الفاعلين في التواجد بالمنطقة لنهب ثرواتها بغطاء أمني أو مظلة أثبتت فشلها الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل علي إيران، ودور اللوبيات الدولية في قتل الفكرة والتوجه المصري قبل ميلاده .
ومن هنا تتحرك مصر وفي كواليس هذا التحرك تخوض الدبلوماسية المصرية معركة أكثر خطورة، وهي معركة إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط.
تقود مصر هذا التحرك ، بدعم من عدد من العواصم العربية، تحركًا استراتيجيًا لتأسيس ما يشبه “ناتو عربي” أو منظومة دفاع إقليمي مستقل، في محاولة لإنهاء عقود من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.
لكن هذا المشروع، الذي يبدو منطقيًا في سياق التحولات الدولية، يصطدم بجدار صلب، كما ذكرت، لوجود شبكة معقدة من اللوبيات الدولية التي ترى في قيام هذا التحالف تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
وتسعى مصر إلى تحويل ملامح المشروع العربي – من التنسيق إلى الردع، ولا يقتصر على تنسيق عسكري تقليدي، بل يستهدف:
-إنشاء قوة تدخل سريع عربية
-بناء مظلة دفاع جوي مشتركة
-توحيد العقيدة القتالية والأمن السيبراني
-تقليل الاعتماد على القواعد الأجنبية
لكن .. لماذا يُقلق “الناتو العربي” القوى الدولية؟ .. ببساطة لأن قيام تحالف عربي مستقل يعني:
-انتهاء احتكار الحماية الأمنية من قبل الولايات المتحدة
-وتقليص الحاجة إلى القواعد العسكرية الأجنبية
-وتراجع صفقات السلاح الضخمة
-وتحول المنطقة من “سوق أمن” إلى “منتج أمن”
وهنا تبدأ حرب من نوع آخر وهي حرب اللوبيات.
خريطة اللوبيات الدولية ودورها في العرقلة:
1- اللوبي الصناعي العسكري (Military-Industrial Complex) هذا اللوبي، المرتبط بشركات السلاح الكبرى، يُعد المستفيد الأول من بقاء الوضع الحالي.
أما أدواته فهي :الضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة، والترويج الي خطاب “التهديد الدائم” في المنطقة، وربط أمن الخليج بمنظومات تسليح غربية معقدة
والهدف من ذلك منع أي توجه نحو الاكتفاء الأمني العربي، لأن ذلك يعني خسارة مئات المليارات من صفقات التسليح.
2- اللوبي المؤيد لإسرائيل ويمثل أحد أقوى الفاعلين في واشنطن، ويرتبط بشكل مباشر بأمن إسرائيل.
ويعارض هذا اللوبي فكرة “الناتو العربي”؟ ..لأنه قد يخلق توازن ردع حقيقي في المنطقة ،ولأنه يقلل من التفوق العسكري النوعي لإسرائيل،
ولأنه قد يعيد تعريف التهديدات بعيدًا عن الرؤية الإسرائيلية
ولهذا اللوبي القدرة علي التأثير على الكونغرس،وتوجيه مراكز الفكر، وصياغة سرديات إعلامية تحذر من “عسكرة العرب”.
3- لوبيات الطاقة العالمية كون
النفط والغاز ليسا مجرد موارد، بل أدوات نفوذ ،وتتخوف هذه اللوبيات من تحالف عربي قوي قد يسيطر على طرق الطاقة (مثل مضيق هرمز)،وإمكانية تسعير الطاقة خارج الهيمنة الغربية،فضلا عن استخدام الطاقة كسلاح سياسي ،ويقوم بدعم غير مباشر لإبقاء المنطقة مجزأة أمنيًا.
4- لوبيات “إدارة الفوضى” فبعض مراكز التفكير في الغرب تتبنى نظرية “الفوضى الخلاقة”،المرتبطة تاريخيًا بأفكار برنارد لويس ،والتي تبنتها واشنطن وأعلنتها كونداليزا رايس وجربتها في عام 2011 في الدول العربية.
وتنطلق هذه الرؤية من أن الشرق الأوسط يجب أن يبقى في حالة توازن هش،ومنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة ، وإدارة الصراعات بدل إنهائها، وقيام “ناتو عربي” يتناقض جذريًا مع هذه الرؤية.
كيف تُدار هذه المعركة؟ طبيعي أن تدار وفق :
■ تفجير الخلافات العربية
إعادة إحياء التوترات بين الدول العربية، خاصة حول:العلاقة مع إيران ،والموقف من تركيا
■ الحرب الإعلامية وتنطلق من
تصوير المشروع كتهديد للاستقرار
تضخيم المخاوف من “هيمنة دولة على أخرى” ،والترويج لفشل تجارب عربية سابقة
■ الضغط الاقتصادي من خلال التلويح بعقوبات ،والتأثير على الاستثمارات،واستخدام أدوات الدين والمؤسسات المالية
■ الاحتواء الناعم بدل المواجهة المباشرة، ويتم من خلال احتواء المشروع داخل أطر شكلية،وتحويله إلى “منتدى تنسيقي” بلا قوة حقيقية
ويواجه هذا ” التحرك المصري ” معضلة كبرى – بين واشنطن والاستقلال العربي لدول المنطقة، وتجد الدول الخليجية نفسها أمام معادلة معقدة:
من جهة: الاعتماد الأمني التاريخي على الولايات المتحدة،ومن جهة أخرى تزايد الشعور بأن هذا الاعتماد لم يعد كافيًا.
كما أن الطرح المصري أو العربي الشعبي في المنطقة يذهب أبعد، كونه يطالب بـإنهاء القواعد الأجنبية،وبناء تحالف إقليمي يشمل حتى إيران وتركيا.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد، وهنا ببرز السيناريو المرجح – “الاستقلال تحت السقف الأمريكي”
لكن التقدير الأكثر واقعية قد يشير إلى عدم القطيعة مع واشنطن ،بل إعادة تعريف العلاقة معها، مع بناء قوة عربية تدريجية تعمل بالتوازي
أو بمعنى آخر:الانتقال من التبعية إلى الشراكة دون الصدام المباشر
ومن ثم..هل ينجح الناتو العربي أو الإقليمي ؟..يتوقف نجاح “الناتو العربي” يتوقف على 3 عوامل حاسمة:
– الإرادة السياسية وهل تتجاوز الدول العربية حساباتها الضيقة؟
– القدرة على تحييد اللوبيات،ليس عبر المواجهة، بل عبر: تنويع الشراكات الدولية ،وبناء نفوذ مضاد داخل مراكز القرار، تعريف العدو الحقيقي.
ويبقي أن نقول هل التهديد هو إيران فقط؟أم الفوضى الإقليمية؟ أم التدخلات الدولية؟ وهل الخطوة أو التحرك المصري لها بعد إقليمي بدخول تركيا وإيران ضمن منظومة الأمن الإقليمي المراد لها حلف إقليمي أو ناتو عربي فقط ؟
وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي أكد في الرياض الحاجة الملحة لبلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي “العربي والإقليمي” ووضع الآليات التنفيذية له، والشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء في إطار الجامعة العربية أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، باعتبار ذلك ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول.
ما يجري أو ما تقوم به مصر ليس تأسيس تحالف عسكري فحسب، بل هو صراع على من يملك قرارالأمن في الشرق الأوسط بين مشروع عربي يسعى للاستقلال، وشبكة لوبيات دولية تسعى للإبقاء على الوضع القائم.
والنتيجة لن تحدد فقط شكل التحالفات ، بل ستحدد من يحكم المنطقة فعليًا في العقد القادم،وهل يتخلص العرب من الهيمنة الأمريكية
والدخول في حلف المظلة الأمنية العربية أو الإقليمية أم أنهم سيبقون في أحضان النيران الصديقة والخنوع السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي وأذناب اللوبيات الصهيونية ومخططاتها المنطقة ؟










