الدكتورة حنان عيد تكتب : (مدرسة الصبر والتهذيب)

من منكم لم يستعد لهذا الشهر الفضيل الكريم العزيز فليراجع نفسه وينتبه .. فقد يمضي العمر وتمر السنون وأنت تُهلك النفس والروح والجسد في لا شئ .. ولا تستفيق إلا وأنت أمام الملكين .
لم يفرض الله الصيام في هذا الشهر هباءاً .. بل جاء لهذه الأمة ليرفع مقدارها ويعلي شأنها بين الأمم ..
فهو مدرسة إلهية عظيمة لتربية النفوس .. وتهذيب القلوب .. وتعليم الصبر وكبح الشهوات .. وطاعةً لله .. وذلك بضبط اللسان والبصر والقلب على إيقاع الإيمان والتقوى .. حتى يتعود المسلم وغير المسلم على فعل الطاعات وتغيير حقيقي في السلوك.
ولقد سُئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما تتمنى؟ قال: الصوم في الصيف، والضرب بالسيف، وإكرام الضيف.
ولقد اختصه الله بفرض الصيام .. ونزول القرآن الكريم .. وتُفتح فيه أبواب الجنة وأبواب الخير .. وتتزين لياليه بليلة القدر.
ويقال إن الصحابة كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان .. ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم.
فعليك أن تستعد روحياً بتجديد النية بالتوبة .. والعزم على الطاعة .. والإكثار من الدعاء ببلوغ الشهر الكريم .. وتعويد النفس على قيام الليل .. والبدء في قراءة القرآن يومياً .. وزيادة العطاء والجود .. وتذكر أن تهيئة القلب قبل الجسد هو أساس الفوز بثواب هذا الشهر الكريم.
ولكن كما عهدتموني أحمل رسالة إليكم في كل مرة .. ورسالتي اليوم بها غُصة تمزق القلب والروح مما يحدث وينتشر .. ولقد شاهدت الفيديو المتداول لشخص يُهان من أشخاص حيوانات نهشو أعراض .. وهم غير آبهين أنهم نهشوا عرضهم قبله .. ذلك الشخص الذي جعلوه يرتدي بدلة الرقص واهانوه في رجولته وسمعته وسمعة أسرته وكل من كان ينتمي لهذه البلدة ..
كيف وصلت بنا سوء الأخلاق لهذا الحد المهين مهما كانت فعلته .. وكأنهم يُحيوا هذا ويُميتوا هذا .. مالِ هذه القلوب التي تحجرت رغم أن الحجارة يتفجر منها الماء ..
لقد خُيل لنا أن الإنسان قد تحضَّر وعرفَ الرقي والسمو والرفعة .. وأنار العلم عقله.. من فنون وموسيقى وأدب وتدين .. وأصبح ذا مشاعر رفيعة يعرف الحب والوفاء وطاعة الآباء والبر بهم .. ويعرف معنى الصداقة .. وأسمى ما بلغته البشرية من التضحية من أجل الوطن أو الصديق أو الأب أو الابن وغيرهم .. ولكن إتضح بعد كل ما رأيناه أنه برع في تمثيل وادعاء ذلك.
وتبدل كل ذلك بشريعة الغاب وهو شعاراً أسخف مافي النفس البشرية ..
ووتذكرت عندما انتشر الراديو في القرى وظننا أنه سيجعل لأهلها ملهاة أخرى غير إنجاب الأطفال.. فإذا بالأمر يزداد سوءاً ويمكث أهل القرى بدارهم ليستمعوا إلى الراديو وإزداد الإنجاب.
أين الوعي والعقل ؟ بل أين ذهب الإنسان بتفكيره وثقافته وعلمه ودينه وتدينه.
وفرضت شريعة الغاب نفسها على مسرح المجتمع الغني والفقير معاً .. وسادت حالة الفوضى وتناسوا القانون والعدالة .. وساد منطق “البقاء للأقوى” وعلى كل شخص أن يأخذ حقه بيده.. وتفككت القيم الأخلاقية في المجتمعات وهيمنت الهمجية بدلًا من سيادة القانون .. وانتشرت الجرائم والظلم .. والقانون الذي لم يشرعه الخالق .. بل أصبح من وضع البشر .
ويأتي هذا الشهر المبارك متزامناً مع تعبير واحتفال بعيد الحب .. وكأنه يقول للإنسان أفيق من دوامة الكره والبعد عن الدين والتسامح والسوء في القول والعمل فباب التوبة هناك يناديك.
فلا تقتل لتثأر .. ولا تزرع الحقد لتقضي على التسامح .. ولا تتناسى فينساك الله من رحمته .. فلا يهزم الثأر إلا النسيان .. ولا يمحو الحقد إلا التسامح.
فإن لم تنتهزوا تلك الأيام المباركة التي هي ضيوف الرحمن ورحمته وعفوه وغفرانه للبشر .. انتظروا الساعة .. وويل للإنسان من الإنسان.
أحبتي في الله رسالتي من قلب عطوف حنون يشدو بكلمات عَطِره يحتويها الحب والود والرحمة .. وأدعوكم لاستقبال تلك الأيام المباركات بكل ماأوتيتم من قوة وعزم وإيمان .. وخيركم من كان في المقدمة وبدأ بالسلامة والسلام .. فالمؤمن القوي خيرُ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ..
وكل عام وأنتم بخير وسلام وأمان وحب وود وعطف ورحمة وفوز بالجنة ونجاة من النار










