مقالات الرأى

قضية فلسطين عند المهدي بن عبود ( الحلقة الثانية)

بقلم: د.محمد بشاري

0:00

حين انصرف المهدي بن عبود عن العمل الدبلوماسي الرسمي، لم يكن ذلك انسحاباً من الشأن العام، بل انتقالاً إلى ساحةٍ أعمق أثراً وأبعد مدى: ساحة الأفكار. فالرجل الذي خبر السياسة من داخل مؤسساتها، وعالج الجسد بصرامة العلم، وجد نفسه مدفوعاً إلى تشخيص عللٍ أشد استعصاء، عللٍ تصيب الإنسان في وعيه وضميره، وتصيب الأمم في بوصلتها الحضارية. هنا تبلور مشروعه الفكري لا بوصفه تنظيراً معزولاً، بل امتداداً لتجربةٍ معيشة، تتقاطع فيها الجامعة بالعيادة، والمنبر الأكاديمي بالمشهد الدولي.

في جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث درّس علم النفس المرضي والمذاهب الفكرية المعاصرة والعقيدة الإسلامية، اتخذ بن عبود من قاعة الدرس مختبراً نقدياً. لم يكن يُلقي المعرفة بوصفها معطيات مكتملة، بل يضعها موضع مساءلة دائمة. كان يُلحّ على طلابه أن الأزمة ليست في نقص المعلومات، بل في اختلال ترتيبها وفي فقدان المعنى الناظم لها. ومن هذا المنطلق، صاغ رؤيته للإنسان الحديث بوصفه كائناً يعيش وفرة في الوسائل وفاقة في المقاصد، قوة في الأدوات وضعفاً في الغاية.

يتجلّى هذا البناء الفكري بوضوح في مشروعه الأشهر «رصد الخاطر». فالكتاب، بأجزائه المتعددة، لا يقوم على التأمل المجتزأ، بل على منهج تشخيصي قريب من العقل الطبي: رصد للأعراض، تحليل للأسباب، وتنبيه إلى المآلات. كان يرى أن الحضارة المعاصرة، في صورتها المهيمنة، قامت على قطيعة بين المادة والروح، فغلبت عقلية السوق، وتحوّل الإنسان إلى أداة إنتاج واستهلاك، وفُصل العلم عن القيم. غير أن نقده لم يكن موجهاً إلى الخارج وحده؛ إذ حمّل الإنسان المعاصر، والمسلم خصوصاً، نصيباً وافراً من المسؤولية حين قبل الاستلاب، ورضي بالعيش على هامش التاريخ.

من هنا تبرز مركزية البعد النفسي في فكره. فبحكم تخصّصه في علم النفس المرضي، كان مقتنعاً بأن الهزائم الكبرى تبدأ من الداخل: من الخوف، ومن القلق، ومن فراغ المعنى. ولذلك ربط بين الاستبداد السياسي والاستكانة النفسية، ورأى في كليهما وجهين لمرضٍ واحد. كان يؤكّد أن مقاومة الهيمنة الخارجية لا تنجح إذا ظلّ الإنسان مهزوماً في داخله، وأن التحرّر الحقيقي يمرّ عبر بناء إرادة واعية، عالمة، عاملة، قادرة على الفعل لا على الشكوى.

وفي إطار ما سمّاه التدافع الحضاري، لم ينظر بن عبود إلى الصراع بين الحضارات بوصفه مواجهة عسكرية أو تنافساً اقتصادياً فحسب، بل صراعاً على القيم والمعاني. كان يرى أن كل حضارة تُقاس بقدرتها على صيانة كرامة الإنسان، وتحقيق العدل، وإقامة توازن بين العقل والقلب. ومن هذا المنظور، لم يكن موقفه من الغرب موقف رفضٍ شامل، بل نقداً انتقائياً يميّز بين منجز علمي يمكن الإفادة منه، ونموذج قيمي يفضي إلى تهميش الإنسان حين يُفصل عن أبعاده الروحية.

هذا الوعي بالتدافع الحضاري دفعه إلى استحضار التراث لا باعتباره مخزوناً مغلقاً، بل طاقة نقدية قابلة للتجديد. في روايته الفلسفية «عودة حي بن يقظان»، استعاد رمزاً تراثياً ليضعه في مواجهة العصر الحديث، مسائلاً قدرة الإنسان على بلوغ الحقيقة في زمن الأيديولوجيات الصاخبة. لم تكن الرواية حنيناً إلى الماضي، بل محاكمة للحاضر، تكشف أمراض الجهل المركّب والغرور المعرفي والخوف من الحرية. الأدب هنا لم يكن تزييناً للخطاب، بل وسيلة لاختراق الوعي الجمعي بلغة تتجاوز النخبة.

أما فلسطين، فقد احتلت في فكره موقعاً يتجاوز السياسة إلى الأخلاق والتاريخ. لم يتعامل معها بوصفها نزاع حدود، بل معياراً لصدق العالم وعدالته. كانت فلسطين، في نظره، مرآة تكشف ازدواجية المعايير الدولية، واختباراً لضمير الإنسانية. وحين تُهزم العدالة هناك، فإن الخلل لا يصيب شعباً بعينه، بل يصيب النظام القيمي العالمي برمّته. لهذا ربط بين قضية فلسطين وبين أزمة الحضارة الحديثة، معتبراً أن الانحياز للقوة على حساب الحق علامة على انحراف عميق في مسار الإنسان المعاصر.

وفي تحليله للمشهد الإسلامي، انشغل بسؤال ما بعد الاستقلال: أي إنسانٍ نريد؟ وأي مواطنٍ يمكنه حمل أعباء الدولة الوطنية؟ هنا يلتقي مع أسئلة مفكرين مغاربة وعرب، لكنه يضيف إليها بعداً نفسياً وأخلاقياً واضحاً. كان يرى أن الدولة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل ببناء إنسانٍ حرّ من الداخل، قادر على النقد والمبادرة، لا أسير للخوف أو التبعية. ومن هذا المنطلق، انتقد التقليد الأعمى، سواء في الفكر أو السياسة، واعتبره تهديداً مباشراً لنهضة الأمة.

كما أولى عناية خاصة لمسألة اللغة، محذّراً من الصراع اللغوي بوصفه وجهاً من وجوه التدافع الحضاري. فاللغة، في نظره، ليست أداة تواصل فحسب، بل حاملة رؤية للعالم. وحين تضعف لغة أمة، يضعف حضورها الحضاري، ويتقلّص تأثيرها القيمي. لذلك دعا إلى وعي لغوي يوازن بين الانفتاح على لغات العالم وصيانة اللغة الحاملة للهوية والمعنى.

في مجمل مشروعه، سعى المهدي بن عبود إلى إعادة وصل ما انقطع: وصل العلم بالقيمة، والسياسة بالأخلاق، والعقل بالقلب. لم يقدّم وصفة جاهزة، ولم يدّع امتلاك الحقيقة المطلقة، بل دعا إلى نسق معرفي مفتوح، يجمع المعرفة الإنسانية بالعقيدة الحيّة، ويؤسّس لمشترك إنساني قوامه العدل والكرامة. كان مقتنعاً بأن مستقبل الإنسانية مرهون بإعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها شرطاً للعلم، لا نقيضاً له.

هكذا يتبدّى بن عبود مفكّراً مارس النقد من داخل التجربة، لا من أبراج معزولة. رجلٌ آمن بأن الأفكار، مثل الأجساد، تحتاج إلى تشخيص دقيق، وأن أخطر الأوبئة تلك التي تصيب الضمائر قبل الأجسام. وفي زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات وتشتدّ فيه صراعات القيم، تبقى أسئلته مفتوحة، تُلحّ علينا لا لتعيدنا إلى الماضي، بل لتدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى التقدّم، وحدود القوة، ووجهة الإنسان في هذا العالم المضطرب.

زر الذهاب إلى الأعلى