راندا الهادي تكتب: لا تبتسم .

دومًا أبدأ يومي بالاستماع لمحطات الراديو لمتابعة الأخبار المختلفة خلال القيام بمهامي المنزلية ، وكم من مرة أجبرتني كلمة أو جملة ما في برنامج على التوقف والتفكر في ما تثيره من خواطر وتساؤلات.
حدث ذلك اليوم ، عندما كنت استمع لأحد الاخصائيين في الطب النفسي وهو يتحدث عن أهمية الاحتضان ، فهو ليس تلامساً بالأجساد فحسب ، بل علاجًا نفسيًا له مفعول السحر .
لكن ما توقفت عنده غير متضمن في هذه المعلومة ، وإنما ما قاله بعد هذه الجملة ، حيث لفت الانتباه إلى أن قيمة وتأثير الاحتضان ليست واحدًا عند جميع الأفراد ، إما لأسباب مرضية أو لخبرات حياتية .
لا تقلقوا ! التوضيح قادم ، فقد استطرد طبيبنا قائلًا: مرضى التوحد لا يتعاملون مع الحضن بسلاسة بل قد يثير التوتر والذعر عندهم ، كما أن بعض الأفراد قد تدفعهم خبراتهم النفسية و الحياتية السابقة لاعتبار الحضن سلوكًا يثير الرعب والخوف ، لأنه يذكرهم بتجربة مريرة مرّوا بها في السابق تتعلق بهذا التصرف الجسدي.
هنا بدأت التفكير في طباع البعض وتصرفاتهم والتي نعتبرها غريبة ، لمجرد عدم تطابق استجابتهم لبعض المشاعر والسلوكيات الإجتماعية مع استجابة الغالبية.
مثل الأستاذ الأكاديمي الذي يتجنب المصافحة بالايدي ، أو السيدة التي تنفر من الاحتضان ،أو الشاب الذي يخاف من المهرج ، كل هذه الاستجابات تحدث أمامنا من أشخاص قريبين أو بعيدين ونصنف فورًا أصحابها بأنهم غير طبيعيين .
وهنا سأحكي لكم قصة حدثت أمامي في الصغر ومازلت أتذكرها ، عندما كنت في الصف الأول الإعدادي كان لي صديقة رقيقة المشاعر والملامح ، وكانت فريدة واسمها فريدة ، وأتذكر إعجابي بأصابع يديها الرقيقة ملفتة الطول وكأنها خُلقت لتعزف البيانو ، ولكن ما كان يزعجني حقا نفورها من أي جلسة نتحدث فيها عن أمهاتنا ، واختفاؤها الدائم فور انتهاء الامتحانات وكأنها تهرب من أمر ما .
وفي يوم من الأيام جاء ذكر أسرتها على لسان والدتي لأعرف أن والدتها من سنوات تركت أطفالها في رعاية والدهم لتسافر للعمل في دولة عربية طلبًا لزيادة الدخل .
هنا أدركت لماذا كانت فريدة تتجنب جلسات الحديث عن الأمهات ، وتهرب بعد الامتحانات حتى لا ترى مشهد الأمهات وانتظارهم أمام المدرسة لأبنائهم ، ورغم صغر سني وقتها أخذت قرارًا بعدم التحدث عن أمي أمامها أو أي فعل قد يذكرها بما يؤلمها .
إذن لا تحكموا بما تروه على السطح فالنفس البشرية عالم معقد من المشاعر والأفكار المتغيرة ، إذا أردنا الخوض فيه فلابد أن يتم ذلك بروية ودون أحكام مسبقة ،ولعل هذا هو التفسير لاختلاف رؤيتنا وأحكامنا – نحن البشر- على نفس الأمر .
لذا قد تخيف البعض الابتسامة ، قد يغضب آخرون للربط على كتفهم ، بل قد تنفر المرأة ممن يستميلها بالهدايا والكلام الحلو ، لا قاعدة ثابتة في عالم السلوك والنفس البشرية ، تلطفوا في أحكامكم ، ولا تتسرعوا بتوزيع الاتهامات ، فهناك دوما ما يخفى عنكم ، ولا يعلمه إلا الله .










