
جعل الإسلام العملَ والمِهنةَ جزءًا أصيلًا من رسالة الإنسان في هذه الحياة، إذ قرن بين الإيمان والعمل، واعتبر السعي في الأرض طلبًا للرزق عبادةً إذا صلحت النية واستقامت الوسيلة. ومع التطور المتسارع في عصر الذكاء الاصطناعي، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل المهن، ومدى توافق التحولات التقنية مع القيم الإسلامية وأحكام الشريعة.
أهمية المِهَن في الإسلام
يولي الإسلام أهمية كبرى للمهن والعمل، ويتضح ذلك من خلال النصوص الشرعية ومواقف السلف، ومن مظاهر هذه الأهمية:
العمل عبادة: قال تعالى:﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
تحقيق الكرامة الإنسانية: فالإسلام يرفض البطالة والتكفف بلا عذر.
تحقيق الاكتفاء والاستغناء عن الحرام.
إعمار الأرض، وهو مقصد شرعي عظيم.
وقد عمل الأنبياء بمهن مختلفة؛ فكان نوح نجارًا، وداود حدادًا، ومحمد ﷺ راعيًا وتاجرًا، مما يدل على شرف المهنة مهما كان نوعها.
المِهَن الجائزة في الإسلام
الأصل في المهن الإباحة ما لم يرد دليل على التحريم. ومن ضوابط المهن الجائزة:
أن تكون نافعة للفرد والمجتمع.
ألا تشتمل على محرم شرعي كالغش أو الربا أو الظلم.
أن تقوم على الصدق والأمانة.
ومن أمثلتها: الزراعة والصناعة والتجارة المشروعة وىالتليم والطب والهندسة
الحرف اليدوية والخدمات التقنية
المِهَن الممنوعة في الإسلام
تحرِّم الشريعة كل مهنة تؤدي إلى الإضرار بالدين أو النفس أو العقل أو المال أو العرض. ومن المهن المحرمة:
المهن القائمة على الربا أو الإعانة عليه.
المهن المرتبطة بـ القمار والمخدرات والخمور.
الأعمال التي تقوم على الخداع والتزوير والاحتكار.
أي مهنة تُسهم في نشر الفساد الأخلاقي أو الظلم الاجتماعي.
والتحريم هنا ليس عائقًا للتنمية، بل حماية للإنسان والمجتمع.
طرق المِهَن في الإسلام (ضوابط الممارسة المهنية)
لا يكتفي الإسلام بالحكم على نوع المهنة، بل يهتم أيضًا بطريقة ممارستها، ومن أهم الضوابط:
الإخلاص وحسن النية.
إتقان العمل، لقوله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».العدل وعدم الاستغلال. الالتزام بالأخلاق المهنية. تحقيق المصلحة العامة وعدم الإضرار بالآخرين.
أثر الذكاء الاصطناعي في مجال المِهَن
أحدث الذكاء الاصطناعي تحولات عميقة في سوق العمل، ومن أبرز آثاره:
ظهور مهن جديدة: مثل تحليل البيانات، وهندسة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.
تطور المهن التقليدية في الطب والتعليم والإعلام والصناعة.
رفع الكفاءة والإنتاجية وتقليل الجهد البشري في الأعمال الروتينية.
توسيع فرص العمل عن بُعد وخدمة المجتمعات بوسائل حديثة.
ومن المنظور الإسلامي، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي جائز شرعًا ما دام وسيلة نافعة ومنضبطة بالضوابط الشرعية.
هل هناك سلبيات للذكاء الاصطناعي على المِهَن؟
نعم، رغم إيجابياته، إلا أن له بعض السلبيات، منها:
فقدان بعض الوظائف التقليدية بسبب الأتمتة.
اتساع الفجوة الاقتصادية بين من يملك التقنية ومن لا يملكها.
ضعف البعد الإنساني في بعض المهن الخدمية.
إمكانية إساءة الاستخدام في التجسس أو التضليل أو الظلم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقنين أخلاقي وتشريعي يضبط استخدام الذكاء الاصطناعي وفق مقاصد الشريعة.
وأخيراً
إن الإسلام بمنهجه الشامل قادر على مواكبة التطورات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، دون أن يفقد ثوابته وقيمه. فالمِهَن في الإسلام ليست مجرد وسيلة للرزق، بل رسالة أخلاقية وإنسانية. ويبقى التحدي الحقيقي هو توظيف التقنية الحديثة لخدمة الإنسان، لا استعباده، وتحقيق التوازن بين التقدم المادي والقيم الروحية في عصر الذكاء الاصطناعي.
نظرًا لأهمية هذا الموضوع، انعقد مؤتمرٌ دوليٌّ في القاهرة تحت رعاية مجلس الشؤون الاسلامية، بعنوان: المِهَن وأثرها في الذكاء الاصطناعي. وقد شكّل هذا المؤتمر منصةً علميةً رائدةً لبحث التحولات التقنية المتسارعة، واستشراف آفاق توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير المهن وتعزيز كفاءتها، مع مراعاة الأبعاد الأخلاقية والإنسانية.
وإذ نثمّن الجهود العلمية والتنظيمية المبذولة، نتقدّم بخالص الشكر وعظيم التقدير إلى القائمين على هذا المؤتمر، وإلى وزارة الأوقاف المصرية، وإلى جميع الباحثين والمشاركين الذين أسهموا بأوراقهم ونقاشاتهم الثرية في إنجاح










