راندا الهادي تكتب: كنز النوبة في خطر !

لا أتحدث هنا عن أحجار كريمة أو ذهب ، لأن الذي تملكه النوبة وأهلها أغلى من ذلك بكثير ، ثروة كانت تملأ منازلهم في الماضي القريب وللأسف بسبب الإهمال والتغيرات الديموجرافية أمست قلة أنهكتها الحياة وسنون العمر الذي تجاوز الستين تنعم بامتلاكه ، ولكنها ملكية مهددة بغياب أصحابها عن الحياة بين لحظة وأخرى .
أعلم أن الجميع متشوق ليعلم ما هو الكنز؟ ومن يملكه ؟. الكنز هو اللغة النوبية هذه اللغة المتكاملة والمتفردة في كلماتها وصوتياتها التي تدخل القلب بدون معرفة معانيها ، هذه اللغة التي كانت وسيلة لنقل رسائل بلادنا الأكثر حساسية وخطورة وقت حرب أكتوبر ١٩٧٣ ، وسط جهل تام من العدو الذي لا يملك مفاتيحاً لفك شيفرة هذه اللغة ، وكيف لا ؟! وباقي أهل مصر أنفسهم لا يملكون تلك المفاتيح ، فاللغة النوبية كالكنز المرصود لا يفك طلاسمه إلا أهل النوبة وحدهم .
قديمًا قال المؤرخ الاغريقي«دروس سلكيلوس»- عن أهل النوبة : “أنهم من أولى السلالات البشرية على الأرض، ” ، ولهذا تعتبر اللغة النوبية من أقدم اللغات التى نطق بها الإنسان، وهذا القدم أدى إلى صعوبة تتبع تاريخها من البداية، فقد طرأت عليها تغييرات كثيرة حتى وصلت إلى ما هى عليه الآن .
وهكذا فنحن الآن إزاء موروث غنى وثمين ولكنه منطوق فقط، يستخدمه أهالي النوبة من «الماتوكية» و«الفديكات» -وهذا تقسيم منذ قديم الأزل لسكان النوبة – يجعلنا نعتبرهم أصحاب لغة واحدة ولكن بلهجتين مختلفتين.
المعضلة إذن أنه قبل التهجير كان المتحدثون باللغة العربية من أهالي النوبة لا يتجاوزون ٢١٪ ، وأصبح الأمر الآن جد خطير ، حيث تتعرض اللغة النوبية لخطر الانقراض والاندثار ، لأن المتحدثين بها الآن هم كبار السن فقط من الرجال والنساء ، أما الأجيال الحديثة من النوبيين فتجهل مفرداتها تمامًا.
ودعوني هنا أقُص عليكم الحدوتة الملهمة والتي دفعتني للكتابة في هذا الموضوع ، حدوتة السيدة (ماري ويلكوكس)، وهي عجوز من السكان الأصليين لأميركا وتعيش في ولاية كاليفورنيا، أدركت في مقتبل عقدها الثامن أنها أصبحت آخر من يتحدث لغة (ووكشومني) بعد وفاة كبار أفراد عائلتها في بدايات الألفية الجديدة، ووجدت ماري نفسها وحيدة أمام مسؤولية ثقيلة: لغة كاملة، بتاريخها وحكاياتها وهوية شعبها، مهددة بأن تختفي إلى الأبد مع رحيلها.
في تلك اللحظة، تحوّل الحزن إلى عزيمة، وقررت ماري ويلكوكس أن تقاوم الفناء بالكلمة، حيث أمضت ماري أكثر من عشرين عامًا وهي تجمع مفردات لغتها، لتصنع أول قاموس مكتوب في تاريخ لغة الووكشومني.
ماري لم تكن خبيرة لغوية، ولا ملمة بالتكنولوجيا، لكنها كـسرت حاجز الخوف وتعلمت استخدام الحاسوب في سن الثانية والثمانين، لتوثّق لغة نشأت في الذاكرة الشفوية فقط ، ليتجاوز عدد الكلمات التي حفظتها ماري ستة آلاف كلمة، وأرفقتها بتسجيلات صوتية وقصص شعبية، لتضمن أن تصل اللغة إلى الأجيال القادمة بصوتها الصحيح وروحها الحقيقية.
وقبيل رحيلها، لم تكتفِ ماري بما أنجزته، بل بدأت تُدرّس اللغة عبر الإنترنت ، فكانت كلماتها تنتقل من الذاكرة إلى الحياة من جديد. وبفضل جهودها، انطلقت حركة إحياء حقيقية للغة الووكشومني وظهر متحدثون جدد بها .
توفيت ماري ويلكوكس عن عمر ناهز 87 عامًا ، لكنها تركت خلفها إرثًا إنسانيًا عظيمًا، ورسالة واضحة مفادها : أن شخصًا واحدًا قادرٌ، بإيمانه وصبره، على إنقاذ ثقافة كاملة من النسيان .
يا أهالي النوبة هذا إرثكم ويجب تحمل مسئوليتكم كاملة تجاهه ، خاصة وسط النزاع الدائر حول مسألة بأي حرفٍ تُكتب اللغة النوبية ؟ ، يجب أن تتوحد الهمم لأن الهدف واحد وهو حماية لغةٍ لحضارة عريقة متجذرة في الثقافة والأرض .










