عبد المعطى أحمد يكتب: ست دقائق فقط وزيرا للخارجية

فى 18 نوفمبر 1977 استقال محمد رياض بعد ست دقائق من تعيينه وزيرا للخارجية, اعتراضا على زيارة الرئيس أنور السادات للقدس.!
كان السادات فى زيارة لسورية ليقنع الرئيس السورى حافظ الأسد باﻻنضمام معه لما اعلنه عن مبادرته بالسفر ﻻسرائيل, وكان قد اعتزم زيارة اسرائيل, واتصل بنائبه حسنى مبارك, لكى يرسل وزير الخارجية اسماعيل فهمى ليكون فى استقباله بالمطار باﻻسماعيلية, وكانت تلك المكالمة من النائب ﻻسماعيل فهمى يوم 17 نوفمبر1977لدرجة ان مبارك عرض على اسماعيل ان يرسل له هليكوبتر بالزمالك لنقله, ولكن الوزير فهمى ابلغه انه لن يذهب, وانه سيرسل للنائب مظروفا مغلقا لتسليمه للسادات شخصيا, وفتح السادات المظروف ليجد ورقة بنص استقالة فهمى, واخبر مبارك والسفير اﻻمريكى هيرمان ايليتس بان فهمى استقال , وأمر السادات بإذاعة خبر اﻻستقالة, وكان خبرا مهما يستمد اهميته من مفاجأة خطوة زيارة رئيس اكبر دولة عربية الى اسرائيل بعد 4 حروب بينهما.
واذاع التليفزيون المصرى الخبر باختصار شديد, وبقيت مشكلة البحث عن وزير للخارجية فى غضون ساعات قليلة, ليكون مصاحبا للسادات فى رحلته ﻻسرائيل, واستقر الرأى على محمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية, ودعاه مبارك الى مكتبه فى القصر الجمهورى واخبره انه وقع عليه اﻻختيار ليكون وزيرا للخارجية, والمفارقة ان التليفزيون اذاع الخبر, وبعد نقاش قصير مع السادت, وبعد ست دقائق تقدم رياض باستقالته للسادات ، وذهب لمنزل اسماعيل فهمى ليخبره باﻻستقالة, وأصبحنا امام وزيرين للخارجية تقدما باستقالتهما فى 24 ساعة بارادتهما وبرؤية خاصة لهما.
وكانت المفاجأة للسادات الذى سيسافر يوم 19 نوفمبر, وحسب كتاب اسماعيل فهمى فى مذكراته التى نشرت باسم “التفاوض من اجل السلام فى الشرق اﻻوسط “.
ويروى السفير عبد الرؤوف الريدى السفير السابق لمصر فى واشنطن أن الهدف الرئيسى للرئيس السادات من خلال زيارته لإسرائيل هو عودة الأرض المصرية, حيث انه حصل على مايستطيع الحصول عليه من خلال حرب أكتوبر التي خلقت نوعاً من الحراك السياسي للقضية, فأسرع الرئيس السادات باستغلال هذا الزخم حتي لاتمتلئ سيناء بالمستوطنات وتكون عائقاً أمام رجوعها, أو ظهور تيار قوي داخل اسرائيل يتبنى فكرة عدم الانسحاب, خاصة بعد وصول مناحم بيجن لرئاسة الوزراء وهو من اليمين الإسرائيلى المتشدد والذى قد يسعي لشن حرب ضد مصر لغسل عار الهزيمة, فتشتعل المنطقة مرة أخرى ويصعب عليه استرجاع سيناء, فاستغل كل الأوراق للضغط، وجعلها هدفاً في رأسه, ولم يستطع أى شىء أن يزحزحه عن هذا الهدف حتي حققه.
ويضيف الريدى:”أول ما تمت زيارة الرئيس السادات, تم تشكيل مجموعة من الخارجية حتي تتابع عملية السلام، وهذه المجموعة مرت بأكثر من مرحلة من حيث التشكيل والاضافة أو الاستبعاد أو الاستقالات، خاصة عندما تقرر البدء في الزيارة استقال إسماعيل فهمى وزير الخارجية, وكان أول وزير يستقيل اعتراضاً علي تلك الزيارة في نوفمبر 1977 , وقرر تعيين وزير خارجية, وتم ترشيح محمد رياض, حيث كان وزير دولة للشئون الخارجية, ولكن ما حدث استدعاه محمد حسني مبارك, وكان نائب رئيس الجمهورية، وأخبره بتجهيز نفسه ليسافر مع الرئيس السادات إلى إسرائيل فقال محمد رياض عندى بعض التساؤلات عن موضوع الزيارة، فاعتبرها مبارك رفضاً للوزارة فأنهي المقابلة, وقام السادات بتعيين الدكتور بطرس غالى وزير الدولة للشئون الخارجية وسافر مع الرئيس السادات, مع أنه لم يكن فى التحضير الأول لتلك الزيارة”!!
كشف المهندس سيد مرعى رئيس مجلس الشعب الأسبق فى مذكراته التى نشرها عام 1977 بعنوان” أوراق سياسية” التى كتبها ونشرها وقت حكم الرئيس أنور السادات أن الملك فاروق جلس على العرش وارثا تسعة وأربعين ألفا وثلاثمائة فدان عام 1937, وغادر السلطة بأملاك بلغت ستة وتسعين ألف فدان غير مائة فدان كان قد استولى عليها من أراضى الأوقاف المصرية, وكل هذه حقائق ومعلومات تؤكدها المستندات بينها أن الشيخ على عبد الرازق وقت أن كان وزيرا للأوقاف عام 1948 رفض محاولات الملك الاستيلاء على أراضى الأوقاف, وفضل الاستقالة على أن يساعد جلالته فى نهب أموال الأوقاف, وأعاد المهندس مرعى فى مذكراته الاعتبار لنائب مجلس الشيوخ محمد السعدى خطاب باعتباره كان أول من طرح فكرة قانون الاصلاح الزراعى وتحديد الملكية عام 1938.
فى كتابه الرائع” عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم: مصر مابين 1833-1835″ فرق “إدوارد وليم لاين” بين المصرى و”المصرلى”, حيث كان المصرى فى ذلك الزمان هو الذى عاش أجداده فى هذه الأرض, ويرجع تاريخهم إلى وادى النيل, والمصرلى هو من المهاجرين الجدد, وأبناؤهم, أولئك القادمون من بلاد الشام وأرمينيا واليونان وتركيا وألبانيا…الخ, هؤلاء يحتاجون إلى بعض الوقت ليتحولوا من مصرلى إلى مصرى. هذا التوصيف الدقيق لعملية إدماج القادمين إلى مصر فى مجتمعها, وتوطينهم فيها يكشف السر التاريخى لمصر, التى كانت دائما مكانا مفتوحا أمام كل الكفاءات البشرية الراغبة فى القدوم إليها, وقد أدرك هذه الحقيقة المفكر العبقرى الراحل الدكتور جمال حمدان, حين أعد أعظم موسوعة عن مصر, فوضع عنوانها”شخصية مصر- دراسة فى عبقرية المكان”, حيث أن مصر هى مكان عبقرى يعيد صياغة الانسان القادم إليه , ويمصره بصورة تحقق الاندماج الكامل دون ذوبان أو فقدان لذاته وهويته السابقة, فالأرمنى الذى تم تمصيره يظل فى دوائر هويته المصرية مكونات من الثقافة الأرمينية والتركية واليونانية, كذلك جاذبية المكان, وعبقرية الادماج فى المجتمع هى التى أعطت مصر خصوصيتها, وصنعت نهضتها الحضارية فى فترات تاريخية ممتدة منذ الاسكندر المقدونى قبل الميلاد إلى المايسترو سليم سحاب فى وقتنا الحالى, وبينهما الإمام الشافعى رضى الله عنه, وعبد الرحمن بن خلدون, وبشارة وسليم تكلا مؤسسا الأهرام 1875, ونجيب مترى مؤسس دار المعاف 1890, ونجيب الريحانى وفريد الأطرش…الخ. لقد كانت مصر ملجأ العقول المبدعة, والكفاءات النادرة, والمواهب التى لاتجد مكانا تتألق فيه, فتأتى إلى مصر فتزهر وتزدهر, ويسطع نورها على المحيط, وقد لايكون غريبا القول إن أعظم من أبدع فى الشعر العامى المصرى كانوا من فئة المصرلى الذى صار مصريا وهم: محمدبيرم التونسى, وفؤاد حداد اللبنانى. هذه هى سنة التاريخ أن المجتمعات التى حققت تجارب جضارية متميزة كانت دائما تستقطب العقول والمواهب وأصحاب القدرات والثروات والتجارب الناجحة, وان المجتمعات المغلقة على أهلها تذبل, وتضمحل حتى توشك على التحجر والفناء, والحضارات جميعها تقوم على ذلك.
لايكفى تحديد حد أدنى للأجور فى أى بلد لتحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية, فإلى جانب تحديد هذا الحد يتعين العمل لضمان حصول المواطنين على الرعاية الاجتماعية بمفهومها الواسع وهو مفهوم الحد الأدنى الاجتماعى, يعنى هذا المفهوم فى أبسط تعريف له ضمان حصول جميع المواطنين الذين يسهمون كل بمقدار فى إنتاج ثروة المجتمع على حد أدنى من مقومات الحياة يتيح لهم تنمية قدراتهم وليس فقط تلبية حاجاتهم الأساسية.
التسول بات مربحا لبعض الناس, وأصبح ظاهرة تحتاج إلى وقفة من المجتمع لعلاجها, وأقول لكل قادر على العمل والكسب:لاتهن نفسك بذل المسألة, ولاتقف بها موقف الضعف والهوان, واستعن بالله واسع على الرزق فما من دابة إلا عليه رزقها.










