إميل أمين يكتب: النظام العالمي وخلو العرش الأممي

” العالم القديم يموت ،والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة ، والآن هو وقت الوحوش”.
لطالما أعتبرت عبارة المفكر الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي، واحدة من محددات السياسة المهمة بشكل فائق، في تتطورات السياسة الدولية عبر المائة عام الماضية .
التعبير يفيد بزمن أممي من التحول مشوب بالقلق وعدم اليقين، والإنتقال من حالة إلى أخرى، عبر تغيير جذري، لأنظمة ومعتقدات ، بل وهياكل راسخة في الماضي، واليوم تبدو وكأنها آخذة في التدهور.
على المدى الزمني المنظور، تبدو هناك مشاهد لعصر جديد، يكاد فجره ينبلج، لكنه يعاني من صعوبات في الولادة ، وبين الأمرين يشير مصطلح الوحوش إلى العناصر غير التقليدية والمزعزعة للإستقرار وغير المألوفة التي تظهر خلال هذه المرحلة التحولية.
في القلب من وحوش غرامشي التي يمكن ملاحظتها بوضوح ، تيار القوميات التي صحت في العقدين الأخيرين، والشعبويات التي أرتفع صوتها مرة جديدة في الفترة عينها، وكأنها نذير لما سيحدث في زمن خلو العرش الأممي من ملامح ومعالم نظام عالمي جديد واضح التفاصيل.
تقليديا ومنذ جمهورية فايمار ، التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933كنتيجة للحرب العالمية الأولى، عندما تنهار الأنظمة القديمة ، يسارع الناس بحثا عن ملاذات آمنة، وغالبا ما يكون أصحاب السلطة والإيديولوجيات المتطرفة، عطفا على القوى الرجعية، هم متقدمو الصفوف وواضعو الحلول، يقينا منهم أن الشعوب ستكون متعطشة لمن يقدم لها الآمال البراقة، حتى وإن كانت كاذبة غير واقعية أو حقيقية .
ما جرى في عشرينات القرن العشرين هو عينه ما نراه اليوم، فقد إنهارت الديمقراطيات الأوروبية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وعوضا عنها صعدت الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، عطفا على العسكرة في إسبانيا، أمام في الإتحاد السوفيتي فحدث ولا حرج عن الشيوعية والحكم الستاليني المطلق ومولد الستار الحديدي.
هل النظام العالمي المعاصر يشبه الأمس فيما جرت به الخطوب ؟
يخشى المرء أن يكون الأمر واقعا، قولا وفعلا، وماض قدما في هذا السياق، فالقومية اليمينية تتزايد في كافة ارجاء المسكونة، ونظرة واحدة على أوروبا أصل الفكر العلماني، تفيد بتراجع واسع لصالح التيارات الشعبوية والأصولية ذات المرجعيات المغرقة في اليمينية .
الأمر ينسحب كذلك على دولة كبرى مثل الهند، والتي كانت مثالا على العلمانية الصافية، التي قدر لها أن تنجح في خلق حالة من التعايش بين عدة مئات من التوجهات العقدية، لكن اليوم تعاني بقوة من نزعة هندوسية يمينية متشددة تنذر بحالة من الصدام ، تطلق وحوش الطائفية من عرينها .
لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية بدورها بعيدة عن المشهد، فهناك صعود متنام منذ نهاية التسعينات، تمثل في حركة المحافظين الجدد، والتوجهات ذات الروح الدينية التي خلطت المطلق بالنسبي، واليوم تبدو أجواء الداخل الأميركي ، مثالا حيا على نزعة يمينية مثيرة للقلق، لا سيما في عداءها الواضح لليسار الأميركي، وإعتباره الطابور الخامس، ما يعيد هواجس الماكارثية في خسمينات القرن المنصرم.
والثابت أن وحوش الحركات الشعبوية، تعمل جاهدة على زعزعة إستقرار الديمقراطيات، حيث يستخدم القادة خطابا ضد النخب والمهاجرين والعولمة لبناء السلطة السياسية .
هل للمرء أن ينسى أحد الوحوش التي تناولها الكاتب الإيرلندي الشهير برنارد شو في تعبيراته اللاذعة، ذات المعنى والمبنى؟
القصد هنا وحش التلاعب بالفكر الديني وتحويره لصالح أهداف سياسية وإيديولوجية.
قال برناردشو ذات مرة :” عند العاصف يلجأ المرء إلى أقرب مرفا؟ . من هنا يتساءل البعض : وهل من مرفا قريب للبشرية من السماء ؟
من هذا المنطلق تدخل البشرية اليوم في جانب كبير منها، عبر محاصصات عقدية، حيث فريق واسع شرقا وغربا، يتكلم بأسم السماء، ويحاجج عنها، هولاء الذين أطلق عليهم البعض لقب ” موظفيو الله “، وما أشرس هذه الطغمة من وحوش .
يعيش النظام العالمي حالة من الإستقطابات والعنف السياسي المتزايد، مع تحول المجتمعات ضد بعضها البعض ، بسبب التضليل والإنقسامات العميقة ، وتضحى النتيجة أنه عوضا عن أن يمضي العالم في طريق الديمقراطيات التي تتصادق فيها الأنظمة وتسير سويا عبر مسارات النمو والبناء والنماء، نشهد صداما يبدا فكريا وعقديا، لا ينفك يتحول إلى مواجهات مسلحة وعسكرية ، الأمر الذي يفتح الباب لتكريس حالة من الفوضى العالمية .
على أنه وبعيدا عن الرموز الفكرية والدلالات الروحية والرمزية لعصر الوحوش، هل من تحولات جيوسياسية، عسكري بعينها، يمكن أن تمثل صحوة لوحش الحروب الكونية ؟
هذا هو الخوف الأعظم، من نهاية أطول فترة سلام عالمي، وللحديث بقية .










