حازم البهواشي يكتب: عزيزي الطالب، أنتَ لستَ مجموعًا!!

مع ظهور نتيجة الثانوية العامة كل عام، تنقلب البيوت رأسًا على عقِب بين أفراح وأتراح، هنا أسرة مسرورة فقد كلل الله مجهود ابنها بالنجاح بتفوق، وهنا أسرة حزينة، فالنجاح لم يحالف ابنها، وأسرة ثالثة نجح ابنها لكنها ترى أنه ظُلِم، وأنه (يستاهل أكتر من كده)، و (مِنُّه لله) النظام الجديد في التصحيح، و (مِنُّه لله اللي ظلمه، ينتقم منه ربنا)!! وأسرة أخرى فرحت ويقول ربُّها: (يكفي كلمة ناجح)!! وأسرة تتحدث عن ذلك الذي حصل على مجموع كبير دون أن يستحق، إنه الحظ أو الغش!!
وما نعلمه جميعًا لكننا نتناساه، أن المستقبل ليس بالمجموع، وأن المرء لا يُقيَّمُ بمجموعه، فالثانوية مرحلة من مراحل حياته. والسؤال الذي أرى أن يسأله كل طالب وكل أسرة هو: هل قُمتُ بما يجبُ عليَّ أن أقوم به، وفق مواهبي وقدراتي وإمكانياتي التي حباني الله إياها؟! إن كانت الإجابة: (لا)، فانظر إلى مواطن الخلل عندك، وأصلحها في مراحلك القادمة حتى وإن اضطُرِرتَ إلى إعادة السنة الدراسية.
وإن كانت الإجابة: (نعم، والله ما قصّرتُ وما أهملتُ)، فارضَ بما قسمه الله لك، وتيقن أنه الخير وإن كنتَ ترى غيرَ ذلك، فعِلمُك قاصر، والله واسعٌ عليمٌ مُحيط، وساعتَها خاطبْ نفسَك قائلًا: “… وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” ( البقرة _ 216 ).
لا تَكْرَهْ شَيْئًا اخْتَارَهُ اللهُ لَك؛ فَعَلَى البَلَاءِ تُؤْجَر، وَعَلَى المَرَضِ تُؤْجَر، وعَلى الفَقْدِ تُؤْجَر، وعَلى الصَّبْرِ تُؤْجَر؛ فَرَبُّ الخَيْرِ لا يَأْتِي إلا بِخَيْر!! حاربْ بهذه الآية أيامَك المُرَّة فـ (الخِيرة فيما اختاره الله)، ولَعَلَّ اللهَ أرادَ لكَ الخَيْرَ، فَصَرَفَكَ عَنْ أَمْرٍ رَغْمَ أَنَّكَ تُلِحُّ عَلَيْه، فلَا تَثِقْ فِي عِلْمِكَ القَاصِرِ المَحْدُود، وَثِقْ فِي اخْتِيَارِ رَبِّكَ الرَّحِيمِ الوَدُود، أردتَ شيئًا، وأراد اللهُ شيئًا آخر، فالحمد لله على خيرٍ لا تعلمه، لا تقل: لماذا يحدث ذلك لي؟! ولكن أحسِنِ الظنَّ بربِّك لأنك قد أحسنتَ العمل، فإن كنتَ مقصرًا فعالجْ ما قصرتَ فيه وسُدّ الخللَ كما قلنا.
وأنت يا من ترى المستقبلَ مالًا، مَن أدراك أن الأرزاقَ المادية يُوزعها مالكُها الرزاقُ الوهّابُ على حسب المجموع والشهادات؟! ألم ترَ أنه يَرزق من لا حيلة له حتى يتعجبَ أصحابُ الحِيل؟! رجل أعرفه حصل على دبلوم التجارة كما نقول في بلدنا (بعد ما صوّتوا عليه)!! فلم يكن أبدًا من أهل التعليم، ولكنّ الله _ سبحانه وتعالى _ رزقه من الأموال الكثيرَ والكثير، ولا دخلَ لنا ولا شأن، فالمدبر حكيم عليم، خلقَ كل شيء بقَدَر، وليس عنده صُدفة، حاشاه!! وأنت يا من ترى المستقبل شأنًا ووضعًا ومنصبًا، فكل المجالات يمكن أن تكون فيها ذا شأن، وليس الشأنُ والمكانة مرتبطَين بالمجموع أيضًا!! خلاصةُ القول: اِسْعَ وارْضَ “… لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ” ( الطلاق _ 1 ).










